العودة   منتديات المختلف المنتدى الأدبي الأول في الخليج العربي > ܓܨ" منتديات المختلف الآدبية " ܓܨ > سطور المختلف
اسم العضو
كلمة المرور

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع خيارات عرض الموضوع
قديم منذ /07-24-2011, 07:57 PM   #71

راكــــ*العتيـبـي*ـــــان
زائر

 رقم العضوية :
 المشاركات : n/a

افتراضي رد: موسوعة اللغة العربية(النحو والصرف-الأدب-البلاغة والنقد-العروض والقافية)

5
الأدب العربي في العصر الأندلسي

الأدب العربي في العصر الأندلسي الأندلس والمغرب وشمالي إفريقية وصقلية الأندلس والمغرب جزءان مترابطان من عالم واحد كان يعرف في القديم عند المشارقة بالمغرب الإسلامي، وقد ظلا يتمثلان طوال العصور الوسطى حضارة واحدة مشتبكة العلاقات في السياسة والفكر والاجتماع. وفي العلاقات البشرية المستمرة من هجرة واختلاط وتزاوج.

وقد كونت صقلية مع بلاد المغرب وشمالي إفريقية والأندلس وحدة ثقافية ذات طابع خاص جوهره التراث الثقافي العربي الإسلامي، وساعد في حفظه كثرة الانتقال والاتصال.

وقد أدت الأندلس وصقلية دوراً بارزاً في النهضة الأوربية عن طريق نقل هذا التراث كما يشهد بذلك الباحثون، مما يجعل الحديث عن فضل الحضارة العربية الإسلامية من الوقائع التاريخية الثابتة.

الحياة السياسية والاجتماعية في الأندلس
أطلق العرب لفظ الأندلس AL- Andalus على القسم الذي سيطروا عليه من شبه جزيرة إيبرية (إسبانية والبرتغال) واستقروا فيه زهاء ثمانية قرون (منذ فتحها عام 92هـ/ 711م بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير، وآخرين، حتى سقوط غرناطة عام 897هـ/1492م) فجاؤوا بلغة حية تأثرت بها اللغتان الإسبانية والبرتغالية، وبمد حضاري حمل عبارة تتصدر معاهد العلم وهي: «العالم يقوم على أربعة أركان: معرفة الحكيم، وعدالة العظيم، وصلاة التقي، وبسالة الشجاع».

حكم الأندلس مدة ستة وأربعين سنة (92-138هـ/711-755م) ولاة كان يعينهم الخليفة في دمشق، أو عامله على إفريقية، ولما قوض العباسيون صرح الدولة الأموية، فر عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن مروان من الشام في مغامرة طويلة حتى وصل إلى الأندلس سنة 137هـ/755م، واستطاع بحذقه السياسي أن يؤسس إمارة حاضرتها قرطبة Cordoba استمرت من عام 138 حتى عام 300هـ/756-912م، ولقب «بالداخل» و«بصقر قريش».

وفي عهد عبد الرحمن الثالث الذي لقب «الناصر» وحكم من سنة 300 حتى 350هـ/ 912-961م، تحولت الإمارة إلى خلافة، وفي هذا الدور بلغت الأندلس أوج مجدها السياسي والأدبي ونافست قرطبة بغداد.

ثم انتثر عقد البلاد، فاستبدّ رؤساء الطوائف بالولايات، وقامت دويلات بلغت العشرين عدّاً عرف حكامها بملوك الطوائف (403-536هـ/1012-1141م) منها الدولة العبادية في إشبيلية، ودولة بني الأفطس في بطليوس، والدولة الجهورية في قرطبة.

ومع انشغال الحكام بشؤونهم عن تدبير الملك، وازدياد ضغط الإسبان الشماليين على هذه الولايات، فزع الأندلسيون إلى يوسف بن تاشفين (500هـ/1106م) أمير الملثمين (المرابطين) في المغرب، فأنجدهم سنة 479هـ بعد انتصاره في معركة الزلاقة، ثم استقل بحكم الأندلس التي تحولت إلى ولاية تابعة للمغرب في زمن المرابطين والموحدين.

وبعد هزيمة الموحدين سنة 609هـ/1212م في موقعة العقاب Las Navas de Tolosa التي جرت مع الإسبان، استطاع الإفرنجة أن يستولوا على الحصون والمدائن ومنها قرطبة التي سقطت سنة 623هـ/1235م، بعد أن لبثت خمسمئة وعشرين سنة عاصمة الملك. وحصرت الدولة في مملكة غرناطة التي حكمها بنو نصر (بنو الأحمر)، وشيدوا فيها قصور الحمراء Al- Hambra، وحافظوا على السلطان العربي في الأندلس زهاء قرنين ونصف القرن (635-897هـ/1218-1492م). ثم اتحدت مملكتا قشتالة Castilla، وأرغون Aragon في مواجهة بني نصر، وسقطت غرناطة، وسلم أبو عبد الله الصغير مفاتيح الحمراء إلى المنتصرين.

كان قوام المجتمع الأندلسي في بداية الأمر من الفاتحين العرب والبربر، وقد وحدت بينهم راية الحرب، والدعوة إلى الجهاد.

ودخل قسم كبير من أهل البلاد في الإسلام، وتمتع باقي السكان من النصارى واليهود بحياة مطمئنة، ومارسوا شعائرهم الدينية بكل حرية.

وكان للأندلسيين عناية خاصة باللغة وعلومها وآدابها، إضافة إلى الفقه وعلوم الشريعة، وقد استقدم الخلفاء العلماء من المشرق لينقلوا معهم كنوزهم الأدبية فيتأدب بها الكثيرون. وكان للفقهاء في الأندلس سلطان عظيم لدى الدولة، ولدى عامة الناس.

واحتلت المرأة في الأندلس منزلة عظيمة، ونالت حظاً وافراً من التعليم، ونبغت في العلوم والآداب والفنون كثيرات: قيل إن مئة وسبعين امرأة بضاحية قرطبة الشرقية كن يعملن يومياً في نقل نسخ من القرآن الكريم بالخط الكوفي، وإن «إشراق العروضية» (القرن الخامس الهجري) كانت تحفظ «الكامل» للمبرد، و«النوادر» للقالي، وكان يعهد إلى النساء بتربية أبناء الأمراء والأغنياء وتأديبهم، فابن حزم تلقى ثقافته الأولى على يد نساء قصر أبيه، وهن علمنه القرآن، وروينه الأحاديث الشريفة، ودربنه على الخط.

وكانت الشواعر ملمحاً بارزاً من ملامح الشعر الأندلسي لوفرتهن ونبوغهن، وقد ارتبط سحر شعر النساء باسم ولادة (ت484هـ) بنت الخليفة المستكفي (ت 416هـ) فقد غشي منتداها فرسان النظم والنثر، ومنهم ابن زيدون (ت463هـ) الذي نعم بوصلها، وشقي بهجرها، فقال فيها أجمل الغزل وأرقه.

الأدب العربي في الأندلس

الشعر

فنون الشعر الأندلسي: نظم الأندلسيون الشعر في الأغراض التقليدية كالغزل والمجون والزهد والتصوف والمدح والهجاء والرثاء، وقد طوروا موضوع الرثاء فأوجدوا «رثاء المدن والممالك الزائلة» وتأثروا بأحداث العصر السياسية فنظموا «شعر الاستغاثة»، وتوسعوا في وصف البيئة الأندلسية، واستحدثوا فن الموشحات والأزجال.

وكان الغزل من أبرز الفنون التقليدية، يستهل به الشعراء قصائدهم، أو يأتون به مستقلاً،وبحكم الجوار أولاً، ولكثرة السبايا ثانياً، شاع التغزل بالنصرانيات، وكثر ذكر الصلبان والرهبان والنساك. كذلك شاع التشبيب بالشعر الأشقر بدلاً من الشعر الفاحم، وكما أن الشعراء جعلوا المرأة صورة من محاسن الطبيعة. قال المقَّري: «إنهم إذا تغزلوا صاغوا من الورد خدوداً، ومن النرجس عيوناً، ومن الآس أصداغاً، ومن السفرجل نهوداً، ومن قصب السكر قدوداً، ومن قلوب اللوز وسرر التفاح مباسم، ومن ابنة العنب رضاباً».

ولم يظهر المجون الذي يخلط فيه الجد بالهزل في عهد الدولة الأموية في الأندلس لانشغال الناس بالفتوح، من جهة، ولأن الوازع الديني كان قوياً في النفوس، من جهة ثانية. لكن، منذ عصر ملوك الطوائف حتى نهاية حكم العرب في الأندلس، اتخذ بعضهم المجون مادة شعرهم، وأفرطوا فيه إلى حد الاستهتار بالفرائض، مع أنه ظهر في القرن الخامس الهجري في ظل دول الطوائف عدد غير قليل من الشعراء الذين نظموا في الزهد، كأبي إسحق الإلبيري (ت460هـ)، وعلي بن إسماعيل القرشي الملقب بالطليطل، والذي كان أهل زمانه (المئة السادسة) يشبهونه بأبي العتاهية.

ولئن كان الزهد دعوة إلى الانصراف عن ترف الحياة، فإن التصوف شظف وخشونة وانعزال عن الخلق في الخلوة إلى العبادة. ويتخذ الشعر الصوفي الرمز أداة للتعبير عن مضمونه وحقائقه. ومن متصوفة الأندلس ابن عربي (ت638هـ) وقد لقب «بمحيي الدين» و«بالشيخ الأكبر» وابن سبعين (ت669هـ) وكان يلقب «بقطب الدين».

وفي المدح حافظ الشعراء على الأسلوب القديم، فاعتنوا بالاستهلال وحسن التخلص، وربما بدؤوا قصائدهم بوصف الخمر أو الطبيعة، أو بلوم الزوجة زوجها لسفره للقاء الممدوح كما في شعر ابن درَّاج القسطلي (ت421هـ)، وهم لم يغرقوا في استعمال الغريب ما عدا ابن هانئ (ت362هـ) الذي حاول تقليد المتنبي.

ولم يختلف رثاء الأندلسيين عن رثاء المشارقة، فكانوا يتفجعون على الميت، ويعظمون المصيبة، وكثيراً ما كانوا يبدؤون بالحكمة صنيع ابن عبد ربه (ت328م).

فنون الشعر الأندلسي المتطورة

الشعر التعليمي:
ويراد به الأراجيز والمنظومات التاريخية والعلمية، وهو لا يلتقي مع الشعر الفني الذي يغلب عليه عنصرا الخيال والعاطفة إلا في صفة النظم، ويستقل في الرجز كل شطر بقافية. من الأراجيز التاريخية أرجوزة يحيى ابن حكم الغزال (ت250هـ) شاعر عبد الرحمن الثاني (الأوسط) وهي في فتح الأندلس، وأرجوزة تمام بن عامر بن علقمة (ت283هـ) في فتح الأندلس وتسمية ولاتها والخلفاء فيها ووصف حروبها، وأرجوزة ابن عبد ربه في مغازي عبد الرحمن الثالث، وأرجوزة أبي طالب عبد الجبّار (القرن الخامس الهجري) وكان مواطنوه يلقبونه بالمتنبي وقد قصر شعره على الوصف والحرب والتاريخ، وأرجوزة لسان الدين بن الخطيب (ت776هـ) «رقم الحلل في نظم الدول» وهو تاريخ شعري للدولة الإسلامية في المشرق والأندلس. ويلي كل قصيدة شرحها.

ومن الأراجيز العلمية أرجوزة ابن عبد ربه في (العروض) وأرجوزة الشاطبي، القاسم بن فيّرة (ت590هـ) في القراءات وعنوانها «حرز الأماني». وألفية ابن مالك (ت بدمشق سنة 672هـ) في النحو، وأرجوزة لسان الدين بن الخطيب المسماة «المعتمدة» في الأغذية المفردة، وأرجوزة أبي بكر محمد بن عاصم (829 هـ) في القضاء وعنوانها «تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام»، وتذكر في نطاق الشعر التعليمي منظومة حازم القرطاجني (ت684هـ) وهي منظومة ميمية في النحو عدد أبياتها سبعة عشر ومئتان، وبديعية ابن جابر الضرير (ت780هـ) التي نظمها في مدح الرسول الأعظم e، وضمنها نحو ستين فناً بديعياً، وسماها «الحلة السيرا في مدح خير الورى».

وصف الطبيعة:
ألهبت طبيعة الأندلس الجميلة قرائح الشعراء، فرسموا لوحات شعرية متنوعة أودعوها أخيلتهم وعواطفهم.

رأى عبد الرحمن الداخل نخلة بالرصافة (شمالي قرطبة)، فلم يصفها في طولها ولا في التفافها ولا في ثمرها، وإنما عقد بينه وبينها شبهاً في النوى والبعد عن الأهل. ووصف ابن عبد ربه الطبيعة بمعناها العام المتمثل في الرياض وأزهارها فخلع على صياغته من نفسه ومهارته ما جعلها مصورة البيئة الأندلسية أدق تصوير وأحلاه. وقد ردد ابن حمديس (ت527هـ) أصوات القدماء في الطبيعة كما ردد أصوات المحدثين، ووصف الخيل والإبل والغيث والبرق، وأقحم عبارات امرئ القيس، ثم حاكى أبا نواس في الدعوة إلى نبذ الوقوف على الأطلال، ودعا إلى الشراب، وكثيراً ما وصف ترحاله وتغربه عن صقلية التي أبعد عنها وهو حدث (471هـ) لما غزاها النورمان.

تغنى الشعراء الأندلسيون بجمال الطبيعة الأندلسية، فابن سفر المريني يتعلق بالأندلس فيراها روضة الدنيا وما سواها صحراء، وابن خفاجة الذي لقب «بالجنّان» و«بصنوبري الأندلس» يشبهها بالجنة فهو يقول:

يــا أهــل أندلـــس لله دركـــم

مــاء وظل وأنهار وأشــــجار

مـا جنة الخلد إلا في دياركـم

ولـــو تخيرت هذي كنت أختار


ووصف شعراء الأندلس أقاليم الأندلس وربوعها وصفاً دقيقاً، فحمدة بنت زياد (من شواعر القرن الخامس الهجري) تصف وادي آش Guadix القريب من غرناطة فترسم أكثر من صورة متحركة.

وبدافع من التطور الحضاري أدخل الأندلسيون إلى قصورهم المنيعة الماء ليملأ البرك في باحتها، ولينتشر من أفواه التماثيل كما في وصف ابن حمديس بركة في قصر المتوكل بن أعلى الناس بإفريقية.

أما وصف مجالس الأنس فقد بدأ ظاهرة اجتماعية في أخريات الدولة الأموية في الأندلس،ثم أخذت المجالس بالانتشار والشيوع ويغلب على هذا الشعر الارتجال، وفيه وصف للساقي والخمر.

كذلك رأى الشعراء الأندلسيون في المرأة صورة من محاسن الطبيعة، وقد ألح ابن زيدون في ديوانه على ثنائية ولادة والطبيعة.

وفي بعض أشعارهم ميل إلى النزعة القصصية، ومن ذلك قول جعفر بن عثمان المصحفي (ت372هـ) في سفرجلة تتبع وصفها مذ كانت تختال على شجرتها إلى أن ذبلت في كف الشاعر.

ويغلب على الوصف في الشعر الأندلسي التشبيهات والاستعارات ويمثل لها بشعر ابن سهل (ت649هـ)، فقد صور الشاعر الطبيعة فأحسن المزج بين الألوان، وجمع بين الحس المرهف، والملاحظة الدقيقة.

رثاء الممالك الزائلة: وهو تجربة إنسانية قل نظيرها في الأدب العربي لما اتصف به من حدة وحماسة، وجرأة في نقد المجتمع، ودعوة لاسترجاع ما ذهب.

لقد رثى المشارقة المدن التي استبيح حماها، كما صنع ابن الرومي حين رثى مدينة البصرة عندما أغار عليها الزنج سنة 255هـ، لكن هذا اللون لم يظهر في الأدب المشرقي كما ظهر في الأدب الأندلسي فناً قائماً بذاته يسير في ثلاثة اتجاهات: الأول هو رثاء المدن التي كانت عامرة فخربت أو ضاعت، ويمثل لـه بشعر أبي إسحق الألبيري يصف إلبيرة Elvira وما أصابها من دمار وخراب. أما الثاني فرثاء الدويلات التي زالت في أثناء الحكم العربي في الأندلس وفيه يعدد الشعراء ما حل بأرباب نعمتهم من أسر أو قتل أو تشريد كما في رثاء ابن اللبانة (ت507هـ) دولة بني عباد، ورثاء ابن عبدون (ت527هـ) دولة بني الأفطس في قصيدته الرائية «البسّامة» وأما الاتجاه الثالث فهو الشعر الذي نظمه أصحابه في رثاء المدن الضائعة مما سقط في يد العدو كما في قصيدة أبي البقاء الرندي (ت684هـ) التي تتوزعها ثلاث فكر هي الاعتبار بزوال الدول، وتصوير سقوط المدن، ثم دعوة المسلمين إلى الجهاد.

شعر الاستغاثة:
ويقوم على استنهاض عزائم ملوك المغرب والمسلمين لنجدة إخوانهم في الأندلس أو التصدي للاجتياح الإسباني.

وقد أورد المقّري في نفح الطيب قصيدة ابن الأبَّار (ت658هـ) التي استغاث فيها بسلطان تونس أبي زكريا الحفصي سنة 636هـ ومطلعها:

أدرك بخيلك خيــل الله أندلســـا إن الســبيل إلى منجاتها درســا

فاستوعبت معظم الاتجاهات والمعاني التي أتى بها شعراء الاستغاثة.

الموشحات والأزجال:

أحدث الأندلسيون فناً جديداً يتجاوب مع البيئة التي شاع فيها الغزل والشراب والغناء وهو الموشح الذي يعتمده أكثر من وزن وأكثر من قافية، فيعمد الوشاح فيه إلى ضرب من التنويع والافتنان العروضي.

نشأ هذا الفن في القرن الثالث الهجري على يد رجلين من قرية قبرة cabra بالأندلس هما: محمد بن حمود الضرير، ومقدم بن معافى، كما قال ابن بسام وابن خلدون. وإن كان بعض الدارسين، ومنهم المستشرقان الإسبانيان خوليان ريبيرا Ribera وغارثيا غومث Garcia Gomez، يرون أن الموشح تقليد لشعر رومانسي كان الإسبان يتغنون به، وقد أبقوا منه الخرجة الأعجمية، فالموشح يتألف من مطلع ومجموعة أدوار وخرجة، فالمطلع هو القفل الأول، أما الدور فيتألف من مجموع القفل والغصن. ويأتي القفل على سمط أو اثنين أو أكثر، وكذلك الغصن، أما الخرجة فهي القفل الأخير من الموشحة.

نظم الموشح في الأغراض المختلفة، وظهرت أسماء لامعة لوشاحين كان أغلبهم شعراء من أمثال أبي بكر عبادة بن ماء السماء (ت422هـ)، وعبادة القزاز (ت484هـ)، وابن اللبانة (ت507هـ)، والأعمى التُّطيلي (ت520هـ)، وابن بقي (ت540هـ)، وابن زهر الحفيد (ت595هـ)، وابن سهل الإشبيلي (ت659هـ)، وأبي الحسن الششتري (ت668هـ)، وأبي حيان الغرناطي (ت745هـ)، ولسان الدين بن الخطيب (ت776هـ)، وابن زمرك (ت797هـ)، وابن عاصم الغرناطي.

ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، نسجت العامة على منواله بلغة غير معربة قريبة إلى اللغة التي يتكلم بها الناس في مخاطباتهم اليومية ما سموه بالزجل.

وقد مرت الأزجال بأدوار متلاحقة أولها دور الأغنية الشعبية، ثم دور القصيدة الزجلية، واتسعت الأزجال لأغراض كثيرة كالمديح والغزل والتصوف والوصف.

ومن أشهر الزجالين ابن قزمان (554هـ)، وله ديوان أزجال كبير ويخلف بن راشد، وكان إمام الزجل قبل ابن قزمان، ومدغلّيس (أحمد ابن الحاج) الذي كان شاعراً وشاحاً، والششتري وقد برع في القصيدة والموشح، وهو أول من استخدم الزجل في التصوف كما استخدم محيي الدين بن عربي التوشيح فيه.

خصائص الشعر الأندلسي: مر الشعر الأندلسي بأطوار ثلاثة: فكان منذ الفتح حتى أوائل القرن الخامس الهجري يمثل شعر التقليد لأدب المشرق، ولم يكن التقليد عجزاً عن الابتكار، وإنما لشعور الانتماء إلى الأصل كشعر ابن عبد ربه، وابن هانئ وابن شهيد، وابن دراج القسطلي.

وفي القرن الخامس الهجري جمع الشعراء بين التجديد والأخذ بشيء من التقليد، ويمثل هذا التطور شعر ابن زيدون، وابن عمار،والمعتمد بن عباد، وابن الحداد، والأعمى التطيلي.

أما في القرن السادس الهجري وما بعده، فقد صور الشعراء بيئتهم، وبرزت العوامل الأندلسية الذاتية كما في شعر ابن حمديس، وابن عبدون، وابن خفاجة، وابن سهل، وأبي البقاء الرندي، وابن خاتمة الأنصاري، ولسان الدين بن الخطيب، وابن زمرك، ويوسف الثالث ملك غرناطة، وابن فركون، وعبد الكريم القيسي البسطي.

لقد أولع الأندلسيون بكل ما هو شرقي، وفي هذا يقول ابن بسام (ت542هـ): «إن أهل هذا الأفق - يعني الأندلس - أبوا إلا متابعة أهل المشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام أو العراق ذباب. لجثوا على هذا صنماً، وتلوا ذلك كتاباً محكماً».

وبسبب هذه المحاكاة للمشارقة في أساليبهم ومعانيهم قيل للرصافي ابن رومي الأندلس، ولابن دراج متنبي المغرب، ولابن هانئ متنبي الأندلس، ولابن زيدون بحتري المغرب والأندلس.

وكانت ظاهرة الانتقاء من التراث من خصائص الأدب الأندلسي، فكانوا يضمنون قصائدهم أقوال السابقين وأشعارهم وأمثالهم وما صادف هوى في نفوسهم.

كما لقي حب الجديد صدى مستحباً في نفوس الأندلسيين، فلم يتقيد أغلبهم بأساليب الأعراب ومعانيهم وأوصافهم، ولم تكن لغتهم محكمة كلغة المشارقة والأقدمين لبعد صقعهم عن البادية، ولوجود جيل لم يكن عربياً صرفاً، وقد نفروا من الألفاظ الوحشية إلى الألفاظ المأنوسة الرقيقة، وكانت القافية الواحدة، وأوزان العروض الستة عشر ومثلها أكثر المعاني والأساليب المتوارثة قوام الشعر التقليدي في الأندلس.

أعلام الشعراء
لم يهتم الناس في عصر الولاة بصناعة الأدب لانشغالهم بالفتوح وإن لم يخل العصر ممن نظموا الشعر في بعض المناسبات.

فقد حفظت المصادر اسم أبي الأجرب جعونة ابن الصمة، وأبي الخطار حسام بن ضرار الذي وفد على الأندلس والياً سنة 125هـ/742م.

وفي عصر الإمارة نشط الشعر، وكان العدد الأكبر من الأمراء الأمويين في الأندلس شعراء منهم عبد الرحمن الداخل (113-172هـ) وتبدو في شعره رقة الشعر الأموي وجزالته، وقد طرق موضوعات عدة لكنه تعمق في الفخر والحنين.

كما اشتهر من العامة يحيى بن حكم الغزال، وقد ترك شعراً يصنف في ثلاث مراحل: الأولى: مرحلة الشباب، وتغلب عليها موضوعات الغزل وما يتصل بذلك من دعابة ومجون، وقد سافر إلى بلاد النورمان أيام عبد الرحمن الأوسط فأعجب بملكتهم «تيودورا» وابنها فوصفها في شعره، والثانية هي مرحلة التعقل والأناة، وتغلب عليها موضوعات النقد الاجتماعي، ثم تأتي المرحلة الثالثة وهي مرحلة الزهد التي يذكّر فيها بالموت والفناء.

وفي عصر الخلافة ظهر ابن عبد ربه الذي طرق الأغراض الشعرية المعروفة، ولما تناهت به السن نظم «الممحصات» وهي قصائد نقض فيها ما قاله في الصبا، فجاء بأشعار تغص بالمواعظ والزهد.

أما جعفر بن عثمان المصحفي، وقد استخدمه الحكم المستنصر في الكتابة، فهو الحاجب الشاعر الذي فتن بالطبيعة فوصفها، وله أشعار يشكو فيها الزمان. وأما ابن فرج الجيَّاني فقد اشتهر بالكتابة والتأليف، وله أشعار غزلية تمثل الغزل العذري العفيف.

وأما ابن هانئ، ويقال له الأندلسي تمييزاً له من ابن هانئ الحكمي (أبي نواس)، فقد نشأ بإشبيلية ثم غادرها إلى المغرب لتألب الناس عليه بسبب أفكاره الفلسفية، فلقي جوهراً قائد المعز لدين الله الفاطمي ومدحه، ثم اتصل بالمعز، وغادر معه إلى مصر بعد أن بنى جوهر القاهرة، ثم استأذن بالعودة إلى المغرب لاصطحاب أسرته، لكنه قتل في الطريق فقال المعز لما علم بنبأ قتله: «هذا الرجل كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق فلم يقدر لنا».

وفي مرحلة الحجابة عرفت طائفة من الشعراء عاصر بعضهم المرحلة السابقة كالمصحفي، ولمع آخرون منهم المرواني الطليق (ت400هـ) وكان شاعراً مكثراً. قال عنه ابن حزم «إنه في بني أمية كابن المعتز في بني العباس».

ومنهم يوسف بن هرون الرمادي (ت403هـ) اشتهر عند الأندلسيين بلقب (متنبي المغرب) لغوصه على المعاني، وفنون شعره هي المدح والوصف والغزل.

ومنهم ابن دراج القسطلي (نسبة إلى قسطلة دراج من أعمال مدينة جيَّان) وهو يعد من أوفر الأندلسيين نتاجاً، وقد تقلب في ظلال نعمة المنصور بن أبي عامر، وخلد الكثير من غزواته.

وفي عصر الفتنة كان الشعراء أقل عدداً من شعراء المراحل السابقة، وقد مزج بعضهم الشعر بكثير من النثر لأنهم عملوا في الدواوين، وكان بعض الخلفاء شعراء كالخليفة المستعين.

من شعراء هذه المرحلة ابن شهيد، وابن حزم.

شهد ابن شهيد (ت406هـ) عصر الفتنة الذي كان فاصلاً بين توحد الأندلس تحت ظل العامريين (حجّاب دولة بني أمية) وبين ظهور دول الطوائف، وقد ترك آثاراً نثرية وشعرية.

أما ابن حزم (ت456هـ) فقد ولد بقرطبة سنة 384هـ ونهل من معين الثقافة مبكراً، وكان عالماً بالشعر، وصاحب مذهب حر في النقد، وكان في عصره صوتاً يغاير ما كان عليه جمهرة فقهاء الأندلس (كان المذهب السائد هو مذهب مالك) فقد تمذهب أول حياته بمذهب الشافعي، ثم مال إلى المذهب الظاهري، فاحتج له، وألف فيه، فأمر المعتمد بن عباد بحرق كتبه بتحريض الفقهاء.

واجتهد ملوك الطوائف في رد قرطبة الغربية إلى المشرق فتشبهوا بخلفاء المشرق، وتباروا في اجتذاب العلماء والأدباء والشعراء.

من شعراء هذه المرحلة أبو إسحاق الإلبيري وكان فقيهاً زاهداً له قصيدة حرض فيها صنهاجة (قبيلة باديس بن حبوس) على الوزير المتنفذ في غرناطة ابن النغريلة اليهودي، فكانت السبب في قتله. ومنهم ابن زيدون وكان متقدماً في علوم العربية وفي رواية الشعر. أدرك أواخر عهد الدولة المروانية، وخدم دولتي بني جهور في قرطبة، وبني عباد في إشبيلية. أحب ولادة ابنة المستكفي، وتغنى بحبها. ومن فنونه الشعرية الوصف والمدح والاستعطاف والشكوى، ومنهم ابن عمار (ت477هـ) الذي صحب المعتمد بن عباد منذ صباه ثم ساءت العلاقة بينهما، فلقي حتفه على يد المعتمد. له شعرفي الوصف والغزل والمدح والشكوى والاستعطاف.

ومنهم ابن الحداد الوادي آشي (ت480هـ) صاحب إشبيلية، نفاه يوسف بن تاشفين إلى أغمات في المغرب بعد تغلبه على الأندلس. من فنونه الشعرية الغزل والوصف والشكوى.

ومنهم ابن اللبانة (نسبة إلى أمه التي كانت تبيع اللبن) اختص بمدح عدد من ملوك الطوائف ومنهم المعتمد.

من شعراء عصر المرابطين الأعمى التطيلي، وابن خفاجة، وابن الزقاق. نبغ الأعمى التطيلي في الشعر والموشحات، إلا أن شهرته في الموشحات أكثر منها في القصائد.

أما ابن خفاجة (ت532هـ) فهو شاعر الوصف الأول في الأندلس، وقد لقب بالجنان، وبصنوبري الأندلس. وقد مدح شخصيات معاصرة له.

وأما ابن الزقاق (ت529هـ) فقد نزع منزع خاله ابن خفاجة في الغزل ووصف الطبيعة، وله مدح ورثاء وهجاء.

وفي عصر الموحدين سيطر على الناس حب الأدب، وقرض الشعر. فالرصافي البلنسي (ت572هـ) ولد في رصافة بلنسية، وبها قضى شطراً من حياته، ثم تحول إلى مالقة وترسم خطوات أستاذه ابن خفاجة في الوصف والمدح، وله شعر في الحنين.

وابن مرج الكحل (ت634هـ) كان شاعراً مطبوعاً يغلب على شعره الوصف والغزل. وابن عربي، محيي الدين كان شاعراً ووشاحاً. من آثاره الشعرية ديوانه وترجمان الأشواق.

وابن سهل الإشبيلي، إبراهيم كان والده يهودياً، وقد أسلم وحسن إسلامه. اشتهر بقوة الحافظة والقدرة على نظم الشعر، وقد ضم ديوانه قصائد في الغزل والوصف والزهد، واشتهر بموشحاته.

وابن الأبار عرفت أشعاره في موضوعات الوصف والغزل والرثاء، وشعر الاستغاثة.

ومنهم حازم القرطاجني الذي كان شاعراً ونحوياً وناقداً، وفنون شعره المدح والغزل والوصف. ومن شعراء بني الأحمر: أبو البقاء الرندي، واسمه صالح بن يزيد، اشتهر برثاء الأندلس، وله شعر في المدح والغزل. وابن جزي (ت758هـ) أبو عبد الله محمد بن محمد، وكان كاتباً بارعاً وشاعراً مشهوراً يغلب على شعره المدح، وهو الذي دون رحلة ابن بطوطة وصاغها بقلمه بأمر من أبي عنان المريني سلطان المغرب.

وابن خاتمة الأنصاري اشتهر مؤلفاً مصنفاً، وشاعراً، وأبرز أغراضه الشعرية التأمل والنسيب والغزل والإخوانيات ووصف الطبيعة، وقد أكثر من التورية في شعره، وجمعها ابن زرقاله تلميذه في مصنف سماه «رائق التحلية في فائق التورية».

ومنهم لسان الدين بن الخطيب، أبو عبد الله محمد بن عبد الله، ولسان الدين لقب عرف به، كما عرف بذي العمرين، وذي الميتتين، وذي الوزارتين. وقد ولد في لوشة Loja على مقربة من غرناطة - ترك أكثر من ستين مؤلفاً في الأدب والتاريخ والتصوف والطب والرحلات وديوان شعر عنوانه «الصَيِّب والجهام والماضي والكهام». وابن زمرك، وقد شارك في فنون أدبية مختلفة كالكتابة والشعر والموشحات، ويعرف بشاعر الحمراء لأن مقر الحمراء في غرناطة مزدان بشعره.

ويوسف الثالث (ت820هـ) اشتهر أميراً ثم ملكاً شجاعاً، وشاعراً أصيلاً تبدو في أشعاره الحماسة العارمة والروح الدينية الوثابة. وابن فركون القيسي، وقد أدرك شطراً من القرن الثامن الهجري، وقدراً من القرن التاسع. ومن ممدوحيه يوسف الثالث، وجمع ما قيل فيه في كتاب سماه «مظهر النور الباصر في أمداح الملك الناصر». ترك ديوان شعر فيه المدح والغزل والوصف والإخوانيات والعتاب.

وعبد الكريم القيسي البسطي من شعراء القرن التاسع الهجري، وكانت ثقافته شرعية وأدبية، ويصور شعره جوانب العصر (أيام الأندلس الخيرة) التاريخية والاجتماعية.

النثر

فنون النثر الأندلسي
تعددت فنون النثر العربي في الأندلس، فتناول الأندلسيون ما كان معروفاً في المشرق من خطب ورسائل ومناظرات ومقامات، وزادوا عليها بعض ما أملته ظروف حياتهم وبيئاتهم، وقد شاع فيهم تصنيف كتب برامج العلماء، التي تضمنت ذكر شيوخهم ومروياتهم وإجازاتهم. وكان للكتاب مزية الجمع بين الشعر والنثر والإجادة فيهما.

الخطابة
كانت الخطابة وليدة الفتح، فقد استدعت الغزوات التي قام بها العرب المسلمون قيام الخطباء باستنهاض الهمم، وإذكاء روح الحماسة للجهاد في سبيل الله.

ولما تمزقت البلاد، واستحالت إلى دويلات كثيرة، واستعان بعض أصحابها بالأعداء، كان الخطباء يقفون في المحافل العامة للدعوة إلى لم الشمل وترك التناحر.

ومنذ عصر المرابطين، حتى آخر أيام المسلمين في الأندلس، ظهرت الخطب المنمقة، ومنها التي تتضمن التورية بأسماء القرآن الكريم كما في خطبة للقاضي عياض (544هـ) التي يقول فيها: «الحمد لله الذي افتتح بالحمد كلامه، وبين في سورة البقرة أحكامه، ومد في آل عمران والنساء مائدة الأنعام ليتم إنعامه...».

الرسالة
كانت الرسالة في القرن الأول من الفتح ذات أغراض محددة أملتها ظروف العصر، وكان لا يلتزم فيها سجع ولا توشية. ثم حظيت كتابة الرسائل بكتاب معظمهم من فرسان الشعر استطاعوا بما أوتوا من موهبة شعرية وذوق أدبي أن يرتقوا بأساليب التعبير وأن يعالجوا شتى الموضوعات، فظهرت الرسائل المتنوعة ومنها الديوانية والإخوانية.

فمن الرسائل الديوانية رسالة أبي حفص أحمد بن برد (ت428هـ) (المعروف بالأصغر تمييزاً له من جده الأكبر) من كتاب ديوان الإنشاء في دولة العامريين، وقد وجهها لقوم طلبوا الأمان من مولاه. واستخدم فيها الأسلوب الذي يخيف بالكلمة المشبعة بالوعيد.

ومن الرسائل الإخوانية رسالتا ابن زيدون الهزلية والجدية، ورسالة لسان الدين بن الخطيب إلى صديقه ابن خلدون في الشوق إليه.

وقد شاع استعمال لفظ «كتاب» عوضاً عن الرسالة، كما ورد في رسالة جوابية كتبها ابن عبد البر (ت458هـ) إلى أحد إخوانه يعبر فيها عن مدى إعجابه بأدبه.

المناظرة
وهي فن يهدف الكاتب فيه إلى إظهار مقدرته البيانية وبراعته الأسلوبية، وهي نوعان خيالية وغير خيالية.

فمن المناظرات الخيالية مناظرة بين السيف والقلم لابن برد الأصغر، وقد رمز بالسيف لرجال الجيش، وبالقلم لأرباب الفكر، ثم أجرى الحوار بينهما، وانتهى فيه إلى ضرورة العدل في المعاملة بين الطائفتين.

ومن المناظرات غير الخيالية ما تجري فيه المناظرة بين مدن الأندلس ومدن المغرب كمفاخرات مالقة وسلا للسان الدين بن الخطيب، وكانت مالقة أيام الدولة الإسلامية من أعظم الثغور الأندلسية، أما سلا فهي مدينة رومانية قديمة في أقصى المغرب، وقد فضل الكاتب مالقة.

المقامة
وهي نوع من النثر الفني نشأ في المشرق على يد بديع الزمان الهمذاني، ثم حذا حذوه الحريري. وفي الأندلس عارض أبو طاهر محمد التميمي السرقسطي (توفي بقرطبة سنة 538هـ) مقامات الحريري الخمسين بكتاب الخمسين مقامة اللزومية، وهي المعروفة بالمقامات السرقسطية، ولزم في نثرها المسجوع ما لا يلزم. كتب أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأزدي (ت750هـ) «مقامة العيد» التي استكدى فيها أضحية العيد من حاكم مالقة الرئيس أبي سعيد فرج بن نصر.

كما ألَّف لسان الدين بن الخطيب مقامات كثيرة منها مقامته في السياسة، وقد بناها على حوار بين بطلين هما الخليفة هارون الرشيد وحكيم فارسي الأصل عربي اللسان، وقد تضمّنت آراؤه وتجاربه الشخصية فيما ينبغي أن تكون عليه سياسة الحكم.

كتب برامج العلماء
وتضم شيوخ مؤلفيها، وما أخذوه عنهم من الروايات، وما قرؤوه عليهم من الكتب، وما حصلوا عليه من الإجازات.

واختلفت تسمية البرنامج بحسب المؤلِّفين، فيقال له المعجم، والمشيخة، والفهرس، والثبت، والسند والتقييد.

ومن هذه الكتب فهرس ابن خير الإشبيلي (ت575هـ)، وبرنامج المجاري (ت862هـ)، وثبت البلوي الوادي آشي (ت938هـ).

تطور النثر في مختلف أطوار العصر الأندلسي: عرفت في الصدر الأول من الفتح نماذج قليلة من النثر اقتضتها ظروف الفتح، كالخطابة التي تطلبتها مناسبات سياسية ودينية، والكتابة التي اقتضتها ظروف الحكم، وكتابة العهود والرسائل والتوقيعات. وهو نثر تغلب عليه المسحة المشرقية من حيث الميل إلى الجزالة وقوة العبارة وعدم اللجوء إلى المحسنات، ما عدا خطبة طارق بن زياد التي يدور الشك حول نسبتها إليه.

وفي عهدي بني أمية والطوائف ظهر نوع من النثر المتأثر بنثر الجاحظ، وكان للحكام دور في تشجيع الأدباء على التأليف، وإسناد الوزارة إلى أصحاب الحذق والمهارة، فقد ألف ابن فرج الجيّاني كتاب «الحدائق» وقدمه للحكم المستنصر، وقد انتدب المعتضد العبادي الأديب الشاعر ابن زيدون لرئاسة الوزارة وإمارة الجيش فسمي بذي الوزارتين: وزارة السيف، ووزارة القلم.

وفي عهدي المرابطين والموحدين ظهرت طائفة من الكتاب عنيت بالكتابة الإنشائية والتأليف في مختلف الأغراض، كما انتشرت في عهد الموحدين المكتبات التي تضم الكتب النفيسة. وعكفت طائفة من الكتّاب على تأليف كتب جديدة منها «المطرب من أشعار أهل المغرب» لابن دحية (ت633هـ)، أو اختصار القديمة منها «اختصار الأغاني» للأمير أبي الربيع الموحدي (ت604هـ)، أو تدوين رسائل تشيد بما وصلت إليه الأندلس من تقدم ثقافي وازدهار علمي منها «رسالة في فضل الأندلس» للشقندي (ت629هـ).

وفي عهد بني الأحمر اتسعت النماذج النثرية فصدر عن الكتاب النثر الديواني الذي يضم الرسائل، والكتابات على شواهد القبور، والعلامة السلطانية والنثر الإخواني بين الكتاب وذوي السلطة، أو بين الكتاب أنفسهم، والنثر الوصفي الذي يتناول وصف الشخصيات والاعلام، ووصف المدن والرحلات مثل رحلة البلوي خالد بن عيسى (ت768هـ) وعنوانها «تاج المفرق في تحلية علماء المشرق»، ورحلة القلصادي علي بن محمد (ت891هـ).

وكثر التأليف في المقامات التي عنيت بتسجيل هموم الحياة، وخرجت عن الكدية والاستجداء إلا في القليل ومنها «مقامة العيد» التي استكدى فيها الأزدي خروف العيد ليرضي زوجته.

خصائص النثر الأندلسي: على الرغم من تأثّر الكتّاب الأندلسيين بأساليب المشارقة، وطرائقهم الفنية، فقد كانت هناك خصائص امتاز بها نثرهم ولاسيما الترسل، فقد اتخذت رسائلهم في بنائها شكلاً فنياً يختلف في بعض جزئياته عن الرسائل المشرقية التي تبدأ في الغالب بالبسملة والتحميد والصلاة على الرسول الكريم، فصارت تخلو من الاستفتاح المعروف وتبدأ بالدعاء للمرسل إليه، وتعظيمه، أو بالمنظوم، أو بالدخول في الموضوع مباشرة.

وتنوعت أساليب الإنشاء بتنوع الموضوعات، إلا أنَّ الكتاب حرصوا على الاقتباس من القرآن الكريم والحديث الشريف، وأكثروا من استعمال الجمل الدعائية والمعترضة، وبالغوا في إبراز الصور البيانية، واهتموا باستعمال المحسنات البديعية، وارتقوا بأسلوب التعبير حتى لتبدو بعض رسائلهم وكأنها شعر منثور كما في رسائل ابن زيدون.

وفي العصور الأخيرة تنوعت أساليب الأداء الفني فاتخذت مستويين: أولهما مستوى الكاتب نفسه كما في نثر ابن الخطيب المُرْسَل، والمسجع، والثاني الاختلاف على مستوى الكتاب، وقد سار في اتجاهين يغلب على الأول الإفراط في الزخرفة اللفظية ورائده إسماعيل بن الأحمر (ت807هـ) في كتبه «نثير الجمان» و«نثير فرائد الجُمان» و«مستودع العلامة». ويغلب على الثاني الميل إلى الأسلوب المرسل، ويبدو في رسالة القاضي أبي الحسن النباهي التي يعدد فيها معايب لسان الدين بن الخطيب، وفي كتاب «الخيل» لعبد الله بن محمد بن جُزَيّ،وقد صدر الكتاب بنبذة عن تاريخ ثمانية من ملوك بني الأحمر، ثم تحدث عن صفات الخيل وأحوالها.

أعلام الكتّاب في الأندلس: من أبرز أعلام الكتاب في الأندلس:

ابن عبد ربه (ت328هـ)
وكان شاعراً وكاتباً، وله في النثر كتاب «العقد الفريد» الذي قسمه إلى خمسة وعشرين باباً، وجعل لكل بابين منها اسم جوهرة لتقابلهما في العقد، وهو يجمع بين المختارات الشعرية والنثرية، ولأن أكثر مواده تتصل بالمشرق، فقد قال الصاحب بن عباد لما اطلع عليه: بضاعتنا ردت إلينا.

ابن شهيد (ت426هـ)
كان شاعراً وكاتباً. من آثاره النثرية «رسالته في الحلواء» ورسالته المسماة «حانوت عطار» و«رسالة التوابع والزوابع» وهي قصة خيالية يحكي فيها رحلته إلى عالم الجن واتصاله بشياطين الشعراء والكتاب، وقد عرض من خلالها آراءه في اللغة والأدب.

ابن حزم (ت438هـ)
اشتهر شاعراً وكاتباً، ومؤلفاته النثرية كثيرة تتناول شتى الموضوعات في الفقه والأدب والأنساب والتاريخ.

ابن سيْدَة (ت458هـ)
وكان أعلم الناس بغريب اللغة من أشهر مؤلفاته كتابي «المخصص» و«شرح مشكل أبيات المتنبي». وابن عبد البر وكان من أهل قرطبة، واشتهر برسائله التي يغلب عليها الاتجاه السياسي والحديث عن الصداقة والمودة، وقد وصف الشطرنج.

ابن زيدون (463هـ)
وقد افتنَّ برسائله، فكتب الهزلية على لسان ولادة إلى ابن عبدوس يسخر منه كما سخر الجاحظ في رسالة التربيع والتدوير من الكاتب أحمد بن عبد الوهاب وقد ساق ابن زيدون تهكمه في سيول من الأشعار والأمثال وأسماء الرجال، وحرص على تناسق الإيقاع، فكان السجع نائباً عن الأوزان والقوافي. كما كتب الرسالة الجدية يستعطف فيها قلب ابن جهور فيخرجه من السجن، وقد بدأها بالنثر وختمها بالشعر، وهي من حيث القيمة الفنية لا تقل عن الهزلية.

تمام بن غالب بن عمر (ت436هـ)
وهو من أعلام النحويين واللغويين ويعرف بابن التياني نسبة إلى التين وبيعه. من كتبه «الموعب في اللغة» و«تلقيح العين» وقد وجه صاحب دانية Denia، والجزائر الشرقية (جزائل البليار) الأمير أبو الجيش مجاهد العامري (ت436هـ)، وكان من أهل الأدب، إلى أبي غالب أيام غلبته على مرسية، وأبو غالب ساكن بها، ألف دينار أندلسية على أن يزيد في ترجمة كتاب ألفه تمام لأبي الجيش مجاهد فلم يفعل ورد الدنانير وقال: «ولله لو بذل لي ملء الدنيا ما فعلت ولا استجزت الكذب، لأني لم أجمعه له خاصة لكن لكل طالب».

ومنهم أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى (ت476هـ): المعروف بالأعلم لأنه كان مشقوق الشفة العليا، والشنتمري نسبة إلى شنتمرية من بلاد الأندلس وله شروح على الكتب المشرقية، وعلى دواوين بعض الشعراء الجاهليين.

ومن كتّاب القرن الخامس الهجري ابن الدبّاغ الذي نشأ في سرقسطة وترعرع فيها، وقد أعلى المقتدر بن هود منزلته لفصاحته وبلاغته. له رسائل يغلب عليها الاتجاه الاجتماعي، وقد جاءت معظم رسائله مملوءة بالشكوى من الزمان.

ومنهم ابن طاهر (ت507هـ): وقد تناول كثيراً من موضوعات أدب الرسائل وأغراضه بحكم إمارته لمرسية، فكتب في الجهاد والصراع مع الصليبيين وفي موضوعات الرسائل الإخوانية، وفي الفكاهة والهزل.

ومنهم ابن أبي الخصال الغافقي (استشهد سنة 540هـ): وقد شغل مناصب إدارية في دولة المرابطين، وألف في المقامات، وشارك في نمط من الرسائل عرفت بالزرزوريات.

ومنهم ابن بسام صاحب كتاب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة»، وضمنه محاسن أدباء الأندلس من بُعيد الدولة المروانية إلى عصره.

ومنهم محمد بن عبد الغفور الكلاعي (ت545هـ) وقد ألف كتاب «إحكام صنعة الكلام» في النثر وفنونه.

ومنهم ابن طفيل (ت581هـ) وكان طبيباً وأديباً وفيلسوفاً اشتهر بقصته «حي بن يقظان» التي تعد من أعظم الأعمال القصصية الفكرية في العصور الوسطى، والهدف منها الوصول إلى معرفة الخالق والإيمان به.

ومنهم أبو الحجاج بن محمد البلوي (ت604هـ) ويعرف بابن الشيخ، وكان موفور الحظ من علم اللغة والأدب، مشاركاً في النقد والأصول. من مؤلفاته كتاب «ألف باء» وهو أشبه بموسوعة جامعة لفنون الثقافة العامة صنّفه ليتأدب به ابنه عبد الرحيم (ت638هـ).

ومنهم ابن جبير (ت614هـ) أبو الحسين محمد، وكان شاعراً وكاتباً له الرحلة المشهورة وقد دونها بأسلوب رصين جزل الألفاظ سهل التراكيب وهي من رحلاته المشرقية الثلاث.

ومنهم محيي الدين بن عربي صاحب المؤلفات الصوفية ومنها «الفتوحات المكية» و«فصوص الحكم». وله «الوصايا».

وابن الأبّار: ومؤلفاته تربو على خمسة وأربعين كتاباً وصلنا منها «تحفة القادم» و«التكملة» لصلة ابن بشكوال، و«المعجم» و«درر السمط في خبر السبط».

ومنهم حازم القرطاجي: وكان شاعراً ونحوياً وناقداً، وأشهر كتبه «منهاج البلغاء وسراج الأدباء» الذي يمثل قمة من قمم النقد الأدبي.

ومنهم أبو الطيب (أبو البقاء) الرندي: وكان أديباً شاعراً ناقداً. من كتبه «الوافي في نظم القوافي» وهو من كتب النقد والبلاغة.

وابن سعيد (ت685هـ): الذي نظم الشعر وارتحل ودوّن مذكراته، وترك آثار أدبية تدل على ثراء في الموهبة، واستقامة في التعبير. ومن كتبه المطبوعة «المُغرب في حلى المَغرب» و«القدح المُعَلَّى». و«رايات المبرّزين وغايات المميّزين»، و«عنوان المُرقصات والمُطربات»، و«الغصون اليانعة في محاسن شعراء المئة السابعة»، وله «رسالة في فضل الأندلس».

ومنهم ابن الجيّاب (ت749هـ) وقد تدرج في الخدمة في دواوين بني الأحمر حتى صار رئيس كتاب الأندلس، وتخرج على يديه عدد من أهل العلم والأدب.

ومنهم لسان الدين بن الخطيب: من آثاره «الإحاطة في أخبار غرناطة» و«اللمحة البدرية في الدولة النصرية» و«نفاضة الجراب في علالة الاغتراب» و«خطرة الطيف ورحلة الشتاء والصيف» و«معيار الاختيار في أحوال المعاهد والديار»، وله رسائل كثيرة جمع قسماً منها في كتابه «ريحانة الكتّاب ونجعة المنتاب».

أثر الأدب الأندلسي في آداب الغرب

إن صنوف التأثير الأدبية هي بذور فنية تستنبت في آداب غير آدابها متى تهيأت لها الظروف والأسباب، وهذا ما حصل في اللقاح الفكري بين الأدبين العربي والإسباني الذي وصل إلى مدن فرنسة الجنوبية، ومدن اللورين الكائنة في الشرق عند حدود ألمانية، فوجد فيها تربة خصبة جرى نسغها إلى ألمانية وإنكلترة لتكون ركائز النهضة الأوربية.

وقد كتب نائب الأسقف في هيتا El Arcipreste de Hita واسمه خوان رويث Juan Ruiz (ق14) «كتاب الحب الشريف» Libro Buen Amor متأثراً بكتاب ابن حزم «طوق الحمامة في الألفة والألاف» في المضمون، وفي طريقة التعبير والسرد، وفي تنويع الشخصيات.

وفي سنة 1919نشر المستشرق الإسباني ميجيل أسين بالاثيوس Miguel Asin Palacios في مدريد نظرية في كتابه «أصول إسلامية في الكوميديا الإلهية» La Escatalogea Musulmana en la Divina Comedia تقول إن الأديب الإيطالي دانتي Dante (1265-1331م) استوحى في ملهاته الأدب العربي، وحادثة الإسراء والمعراج، وكان ملك قشتالة ألفونسو العاشر Alfonso x الملقب بالعالم El Sabio (1253-1284م) قد أمر بنقل كتب العرب إلى القشتالية، فترجم معراج الرسول.

كذلك غزت المقامات العربية قصص الشطار أو القصة الأوربية الساخرة Bicaresque بنواحيها الفنية وعناصرها الواقعية،وكان لقصة ابن طفيل «حي بن يقظان» أكبر الأثر في قصة «النقّادة» للكاتب الإسباني بلتسار غراثيان Baltasar Gracian (1601-1658م).

وكان للموشحات والأزجال الأثر الأكبر في شعر «التروبادور» وهم شعراء العصور الوسطى الأوربية ظهروا في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي في جنوبي فرنسة ووسطها، وعاشوا في بلاط الملوك والأمراء يتغنون بالحب، وقد يكون بين شعراء التروبادور ملك أو أمير.

لقد استقى التروبادور من الشعر الأندلسي نبعاً من الحقائق النفسية عملوا بها وطوروها. فقد صور ابن حزم حبّه الذي لم يكن وليد الساعة، وإنما سرى على مهل واستقر عماده، وبالمقابل فإن دوق أكيتانية غيوم التاسع (ت1127م) وصف شعوره في حبه وطول انتظاره بقوله: «ليس على الأرض شيء يوازي هذا الطرب، ومن شاء أن يتغنى به كما يستأهل فلا بد أن تنقضي سنة كاملة قبل أن يحقق ما يريد».

كذلك وجد التروبادور في الشعر العربي رقياً ونضجاً من حيث التنوع في الوزن والصقل والتعبير اللغوي، فحاولوا السير على منواله، ومن ذلك أن متوسط المقطوعات التي تتألف منها قصيدة التروبادور سبع وهو العدد الغالب على الموشح أو الزجل،وأن مجموع الغصن والقفل يسمى عند التروبادور بيتاً، وهو الاسم ذاته في الموشحات والأزجال.

إن هذا التشابه من حيث البساطة في المعنى، والأوزان والقوافي في الأسلوب، يدل على تأثير التروبادور بالنماذج العروضية والعاطفية في الشعر العربي، وقد انتقل هذا التأثير إلى أوربة فكان للعرب اليد الطولى في إغناء الشعر الأوربي وإترافه برائع الصور والأساليب.

المغرب والشمال الإفريقي العربي

الحياة السياسية والاجتماعية في المغرب وشمالي إفريقية
قبل أن يظهر العرب المسلمون على مسرح التاريخ، كان البحرالمتوسط يسمى بحر الروم، وكان البربر في المغرب قوماً وثنيين ظلمهم الروم فثاروا عليهم، واتصل زعماؤهم بالعرب وفاوضوهم في مقاتلة الروم معهم، وقد استغرق الفتح الإسلامي للمغرب نحو سبعين عاماً بدأ ببعث استطلاعي قام به عقبة بن نافع الفهري (21هـ/642م) وانتهى بحملة موسى بن نصير التي أخضع فيها المغرب الأقصى سنة 90هـ/708م، وصارت بلاد المغرب تابعة للدولة الأموية، بل ولاية من ولايات الدولة إلى أن قوض بنو العباس صرح الدولة الأموية سنة 132هـ، فآل المغرب إلى ولاية عباسية.

ثم قامت دويلات في المغرب الأقصى والأوسط والأدنى. ففي المغرب الأقصى قامت دولة الأدارسة واستمرت حتى القرن الرابع، ثم ظهر المرابطون في القرن الخامس، وبعدها سيطر الموحدون (المصامدة) على بلاد المغرب، ثم انقسمت إلى ثلاث دول: دولة بني مرين في المغرب الأقصى،ودولة بني عبد الوادي (بني زيّان) في المغرب الأوسط، ودولة بني حفص في المغرب الأدنى.

وصارت القيروان، التي أسسها عقبة بن نافع معسكراً لجنوده، العاصمة الإسلامية الأولى للمغرب العربي، فيها ازدهرت الحضارة التي وضع أسسها وأحكم دعائمها أمراء الدولة الأغلبية، وقد آتت هذه الحضارة أكلها زمن الصنهاجيين في منتصف القرن الخامس الهجري زمن المعز بن باديس بن يوسف (ت453هـ)، وكان أديباً مثقفاً غصّ بلاطه بالأدباء والعلماء منهم ابن أبي الرجال الذي ألف كتاب «البارع في أحكام النجوم» وقد أمر ألفونسو العاشر ملك قشتالة بنقله إلى اللغة القشتالية.

بعد أن خرّب الأعراب القيروان، لجأ المعز إلى المهدية، واتخذها عاصمة له، ثم ازدهرت مدن أخرى منها تلمسان وبجاية وصفاقس وفاس التي اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة، إذ كانت قرطبة حاضرة الأندلس، وكانت القيروان حاضرة المغرب، فلما اضطرب أمر القيروان بعبث الأعراب فيها، واضطربت قرطبة باختلاف بني أمية بعد موت المنصور محمد بن أبي عامر وابنه، رحل عن هذه وهذه من كان فيها من العلماء والفضلاء فنزلوا فاس وتلمسان، كما رحل بعضهم إلى مصر وأقطار أخرى.

وقد اتخذ المرابطون والموحدون مدينة مراكش دار مملكة لقربها من جبال المصامدة وصحراء لمتونة، لا لأنها خير من فاس. ثم بنى الموحدون مدينة رباط الفتح، وبنوا فيها مسجداً عملوا له مئذنة على هيئة منارة الاسكندرية. وقد كانت مدن المغرب مراكز ثقافية وجسراً عبرت عليه تيارات الثقافة في طريقها من المشرق إلى إسبانية.

الشعر

فنونه وخصائصه: الحديث عن الشعر المغربي في عصوره وأقطاره يستنفد صفحات طوالاً، ذلك أنه من الناحية الزمنية يساير الأدب الأندلسي، ثم يستمر بعد سقوط الأندلس إلى العصور الحديثة، وهو من حيث أقطاره يستوعب النتاج الأدبي في المغرب الأدنى والأوسط والأقصى إلى مناطق أخرى مثل شنقيط (موريتانية) وغيرها.

أصاب الكساد عالم الشعر والأدب في العصور الأولى وفي ظل المرابطين، لأن العصر كان عصر جهاد وكفاح وحرب، وليس عصر ترف ورفاهية، وفي عصر الموحدين كثر الشعراء تحت رعاية الخلفاء والأمراء، وتعددت أغراضهم وفنونهم، واتسعت مجالاتهم، وامتزج المديح بالشعر السياسي. فقد واكب الشعر التطورات العقائدية والاجتماعية التي طرأت على المجتمع في عهد الموحدين، وعبر الشعر عن دعوتهم وما يتعلق بها من مهدوية أو عصمة، وإمامة. وكان الخلفاء يطلبون إلى الشعراء أن ينظموا الشعر في مواضيع تخدم دعوتهم،فتخلصت قصيدة المدح من المقدمات التقليدية، وافتتحت بالحديث عن سيرة المهدي بن تومرت وخليفته عبد المؤمن بن علي.وقد تستهل القصيدة بطريقة الكتابة الديوانية فيذكر فيها التحميد والتصلية على الرسول والترضية عن المعصوم المهدي كما في قصيدة أبي عمر بن حربون في الخليفة أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بعد انتصاره على المخالفين المرتدين بالمغرب سنة 563هـ.

وتنوع الغزل في شعر المغاربة، فكان فيه العفيف والماجن، كما نشط شعر وصف الطبيعة. ولم يكتف الشعراء بجعله مطية لغرض آخر، ومتكأ له، وإنما أفردوا للطبيعة قصائد لوصفها، فصوروا مفاتنها، ووقفوا عند كل جزئية من جزئياتها. ووصفوا الخمر، وافتنّوا في وصف مجالس الشراب والندمان والسقاة، وعبّروا عن تعلّقهم الشديد بها.

كما لقي فن الرثاء رواجاً لديهم ولاسيما رثاء المدن الأندلسية التي سقطت في أيدي النصارى، وفي رثاء مدنهم التي خربت (القيروان). وازدهر شعر الزهد والتصوف وشعر المدائح النبوية،وممن اشتهر به أبو العباس محمد ابن العزفي السبتي المغربي (ت633هـ).

ونظم الشاعر المغربي الموشح، فابن غرله الذي اشتهر بعشقه رميلة أخت الخليفة الموحدي عبد المؤمن بن علي نظم الموشح والزجل والمرنم (الزجل الذي يدخله الإعراب)، ومن موشحاته الطنانة الموسومة بالعروس. كما عرف المغاربة «عروض البلد»، وقد ذكر ابن خلدون أن أول من استحدثه رجل من الأندلس نزل بفاس هو أبو بكر بن عمير، فنظم قطعة على طريقة الموشح، ولم يخرج فيها عن مذهب الإعراب إلا قليلاً، فاستحسنه أهل فارس، وولعوا به، ونظموا على طريقته.

لقد شارك أدباء المغرب في فنون القول شعراً ونثراً، وحكم على التراث الأدبي في المغرب بأنه مطبوع بالطابع الأندلسي في شكله وموضوعه وكان لانتشار المذهب الفاطمي في المغرب أثر في وجود بعض المعاني الفلسفية والجدلية في الشعر كالذي ظهر في شعر ابن هانئ الأندلسي وكان من شعراء المعز لدين الله الفاطمي.

وقد تخلف شعراء المغرب عن اللحاق بشعراء المشرق ثم الأندلس في قوة الأفكار وعمق المعاني (باستثناء شعراء العصر الفاطمي) لكن شعرهم لم يخل من جمال الصيغ اللفظية وأناقتها، وقد برعوا في الملاءمة بين مواضيع القصائد وأوزانها كما في قصيدة الحصري «يا ليل الصب»، وأكثروا من رثاء المدن المنكوبة، وفي هذا الباب تظهر قوة خاصة في الشعر المغربي وهي قوة التأثير العميق الصادق.

أعلام الشعراء

من أبرز شعراء المغرب بكر بن حماد (200-296هـ): التاهرتي (نسبة إلى تاهرت بالجزائر)، فنون شعره المديح والهجاء والزهد والغزل والوصف، وقد رحل إلى المشرق وكان من العلماء والرواة.

تميم بن المعز (337-374هـ)
شاعر الدولة الفاطمية، ولد في المهدية بتونس، وتوفي بمصر، أبرز أغراضه الشعرية المديح والغزل والطرد، والرثاء والإخوانيات.

ابن رشيق القيرواني (390-456هـ)
ولد بالمسيلة (الجزائر) ورحل إلى القيروان، وأتم بقية حياته في صقلية، وتوفي بمازر. تعددت جوانبه العلمية والأدبية. له ديوان شعر، ومن مؤلفاته «أنموذج الزمان في شعراء القيروان».

ابن شرف القيرواني (390-460هـ)
الناقد الكاتب الشاعر، له ديوان شعر.

علي بن عبد الغني الحصري (424-488هـ)
يكنى أبا الحسن. برز في علوم القرآن، له الرائية المشهورة في القراءات، وله المعشرات وهي قصائد منظومة على حروف المعجم، كل قصيدة بها عشرة أبيات مبتدأة، ومقفاة بحرف من حروف الهجاء، وله ديوان شعر عنوانه «اقتراح القريح، واجتراح الجريح» وأغلبه في رثاء ابنه عبد الغني. ومن أشهر قصائده «يا ليل الصب متى غده؟» وهي طويلة تقع في تسعة وتسعين بيتاً، وقد عارضها كثيرون لإشراق معانيها وعذوبة ألفاظها.

تميم بن المعز الصنهاجي (422-501هـ)
كان رجل سياسة وعلم. كشفت أشعاره عن مقدرته الشعرية وغزارة إنتاجه الذي يدور أغلبه حول الغزل والوصف والزهد والحماسة.

الأمير أبو الربيع الموحدي (552-604هـ): أحد أمراء الدولة الموحدية جمع بين السياسة والأدب. ترك ديوان شعر عنوانه «نظم العقود ورقم البرود».

مالك بن المرحَّل (604-699هـ)
ولد بمالقة واكتسب شهرة في الأدب والشعر وبرع في علوم كثيرة. له منظومات في القراءات، والفرائض، والعروض، ومخمسات في مدح الرسول الكريم، وشعر في الاستنجاد. توفي في فاس.

ابن خميس التلمساني (625-708هـ)
شاعر عالم رحل إلى سبتة ثم إلى الأندلس، وفي غرناطة التحق بخدمة الوزير أبي عبد الله بن حكيم ثم قتل مع مخدومه.

الشريف الغرناطي (697-760هـ)
ولد بسبتة ونال فيها علماً كثيراً، وقدم إلى غرناطة واستقر بها، ولهذا اشتهر بالغرناطي، وله ديوان شعر.

وابن زاكور (1075-1120هـ)
كان كاتباً وشاعراً ولغوياً - من كتبه «شرح على لامية العرب» وله ديوان شعر مرتب على الأغراض، ونظم موشحات ذكر بعضها في «المنتخب من شعر ابن زاكور».

ومن شعراء شنقيط أحمد بن محمد بن المختار اليعقوبي المعروف بأحمد بن الطلب، ينتهي نسبه إلى جعفر بن أبي طالب. لقب بيته بالطلب لأنهم أعلم أهل ناحيتهم، فكانت الناس ترحل إليهم في طلب العلم، وكان جيد الشعر.

النثر

فنونه وخصائصه
الكتابة الرسمية
وهي تلك الكتابات الصادرة عن الخلفاء والأمراء والولاة والقادة، وعمودها الكتابة الديوانية التي تختص بالعلامة السلطانية التي يصدرها الخليفة إلى عماله وولاته وقضاته ورعيته، وموضوعاتها متنوعة تكاد تشمل مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية والتاريخية. فمن الموضوعات الاجتماعية والسياسية محاربة الآفات الاجتماعية ومكافحة الظلم والدعوة إلى وحدة الصف وإطاعة أولي الأمر. ومن الموضوعات الدينية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، فقد كتب الفقيه المتصوف ابن عباد الرندي (792هـ) إمام جامع القرويين إلى أبي فارس عبد العزيز المريني مستنكراً تصرفات عماله مع المسلمين.

ومن الموضوعات التاريخية سجلت الرسائل الرسمية الغزوات والفتوح والحملات العسكرية، وقد كتب المغاربة الرسالة الديوانية بإحكام وروية، واعتنوا بالعبارة واتكأت الرسالة في كثير من ملامحها على الرسالة الديوانية المشرقية، ثم بدأت في العصور المتأخرة تحاول أن ترسم لنفسها ملامح جديدة، فهي تفتتح بالمقام، ثم وصف عظمته، ثم يذكر المتن أو مضمون الرسالة، وقد غلب السجع عليها لتناسب فخامة المقام.

الكتابة الوصفية
ويقصد بها الكتابات التي كانت تدور حول المناظرات والمفاخرات بين المدن، وبين الأزهار، وبين الأطيار، كما شملت أدب الرحلات (رحلة ابن بطوطة، ورحلة ابن رشيد، ورحلة ابن خلدون).

واعتمد أغلب الكتاب أسلوب المقامة من حيث التوشية والزخرفة البديعية ومنها السجع، فقد أكد محمد بن عبد الغفور الكلاعي في كتاب «إحكام صنعة الكلام» ضرورة السجع للنثر، واستحسان الإتيان به مع مراعاة الابتعاد عن التكلف فيه حتى لا يثقل على الأذن، وينبو عنه الذوق السليم، كما كتب آخرون بالأسلوب المرسل: صنيع ابن خلدون.

الكتابة الذاتية
ويدخل ضمنها الكتابة الإخوانية، ومنها الرسائل المتبادلة بين الكاتب وذوي السلطان، وبين الكاتب وإخوانه، كما تندرج فيها المدائح النبوية، والخواطر التأملية، ولاسيما في الرسائل النبوية. فابن خلدون يحدثنا عن سفر أبي القاسم البرجي إلى التربة المقدسة حاملاً رسالة من أبي عنان المريني إلى الضريح الكريم كتبها أبو عنان بخط يده.

وحرص أغلب الكتاب على العناية بظاهرة الزينة اللفظية، وإن كان بعضهم قد تصدّوا لظاهرة سيطرة البديع على النثر، أو استقبحوا الإكثار منه كما فعل ابن خلدون، فحين تولى ديوان الإنشاء أيام أبي سالم المريني (ت762هـ) فضّل الكلام المرسل على انتحال الأسجاع في الكتابات الرسمية.

أعلام الكتّاب

جمع المغاربة والأندلسيون بين مزيتي الشعر والنثر، وكان للتأليف شأن عظيم لديهم في شتى العلوم والآداب، ومن أعلام الكتاب:

إبراهيم بن علي الحصري (ت453هـ)
ويكنى بأبي إسحاق، شهر بالحصري نسبة إلى صناعة الحصر أو بيعها، أو نسبة إلى «الحصر» وهي قرية كانت قرب القيروان. نشأ في القيروان في أواخر عهد الفاطميين بإفريقية، وكان له ناد يقصده الأدباء والمتأدبون. من مؤلفاته «جمع الجواهر في الملح والنوادر» و«زهر الآداب» وهو كتاب ذو قيمة أدبية وتاريخية، يشبه «البيان والتبيين» للجاحظ في طريقته.

علي بن عبد الغني الحصري (ت488هـ)
وكان شاعراً وكاتباً وله رسائل أثبتها ابن بسام في «ذخيرته» كنماذج من نثره يخاطب بها أصدقاءه وأعداءه، وهي لا تخرج عن طريقة عصره في أسلوب التحرير المسجوع المرصع بألوان التورية والجناس.

الشريف الإدريسي
ولد في سنة 493هـ، ودرس في قرطبة، ثم طوّف في البلاد، وانتهى به التجوال إلى صقلية، ونزل على صاحبها روجار الثاني وألف له كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»، وفيه شرح لكرة الفضة التي أمر الملك بصنعها، توفي في صقلية سنة 560هـ.

ابن رشيق القيرواني (ت463هـ)
كان شاعراً وكاتباً. اتصل ببلاط المعز في القيروان وتعرف كاتبه أبا الحسن علي بن أبي الرجال فألحقه بديوان الإنشاء الذي كان رئيسه، وقد رفع إليه كتاب «العمدة في صناعة الشعر ونقده».

ابن شرف القيرواني (ت460هـ)
كان كاتباً وشاعراً. ألحقه المعز بديوان المراسلات وجعله من خاصته فانقطع إليه، ونافس ابن رشيق في الحظوة عنده، من مؤلفاته النثرية: رسائل الانتقاد، ورسائل المهاجاة، وابتكار الأفكار.

أبو الفضل التيجاني (ت718هـ)
صاحب الرحلة المشهورة، وكان أعلى الكتبة مرتبة وأسلمهم قافية. له رسالة مشهورة كتبها إلى ابن رشيد الفهري (ت721هـ) صديقه حين نزل بتونس في أثناء رحلته إلى الحج وعودته منه يقول فيها: «أقول والله المسعف المنان: اللهم بلغ صاحبنا وجميع المسلمين إلى أوطانهم وأماكنهم سالمين في النفس والأهل والمال. اللهم كن لهم في حلهم وترحالهم، وسلّمهم ولاتسلمهم..» والرسالة تسجيل لمخاطر الطرق إلى الحج والرحلة في ذلك الزمن.

الشريف الغرناطي
تولى في الدولة النصرية عدة مناصب مثل كتابة الإنشاء وخطة القضاء والخطابة. ومن تآليفه المشهورة: «رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة» وهو شرح على مقصورة حازم القرطاجني التي مدح فيها المستنصر الحفصي، وقد جاء الشرح بأسلوب مسجع تحس معه جلال الفكرة وتوقد الذهن.

ابن خلدون، ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن: ولد بتونس سنة 730هـ، وتوفي في القاهرة سنة 808هـ، كان ينظم الشعر، لكن ملكته تخدشت من حفظ المتون المنظومة في الفقه والقراءات. اعتمد في نثره الأسلوب المرسل مخالفاً أسلوب العصر في الميل إلى السجع من آثاره: «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السطان الأكبر». ويقع في مقدمة وثلاثة كتب، وقد ارتقى بالتاريخ من السرد والقصص الساذج إلى درجة العلم المفلسف، وسجل سيرة حياته بقلمه في آخر جزء من العبر وطبع بعنوان: «التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً».

الأدب العربي في صقلية

الحياة السياسية والاجتماعية
صقلية Sicilia جزيرة مقابل ساحل تونس، تبعد عن البر الإيطالي ثلاثة كيلومترات. ضبطها ياقوت في معجمه بثلاث كسرات وتشديد اللام والياء، ولكنه ذكر أن أكثر أهلها يفتحون الصاد، وضبطها ابن دحية بفتح الصاد والقاف، وقال النحوي ابن البر التميمي الصقلي: اسمها باللسان الرومي سَكَّةِ كِلّية وتفسيرها: تين وزيتون، وإلى هذا المعنى أشار ابن رشيق حين مدحها فقال:

أخــت المدينة في اســم لا يشــاركها


فيه ســواها من البلدان والتمـــس

وعظّـــم الله معنــــى لفظهـا قســــماً

قلّد إذا شــئت أهل العلم أو فقـــس


فتح المسلمون صقلية سنة 212هـ/728م بقيادة الفقيه أسد بن الفرات (ت213هـ) الذي تولّى قضاء إفريقية في عهد الأغالبة، وكانت القيروان (تونس اليوم ) تابعة للخلافة العباسية في بغداد. ولما قامت الدولة المهدية في ظل الفاطميين، تأسست دولة الكلبيين في صقلية فبلغت الجزيرة عهدها الذهبي.

احتلها النورمان بقيادة ملكهم روجار الأول، فهجرها أغلب سكانها إلى مصر والقيروان والأندلس، وكانت عادة الانتقال والارتحال بين الأقطار الإسلامية معروفة أيام المحن، فقد شتتت نكبة القيروان، بعد الخلاف بين الفاطميين والمعز ابن باديس، أهل القيروان وخرج الأدباء والعلماء منها إلى صقلية والأندلس ومصر، وها هنا التاريخ يعيد نفسه بخروج العرب من صقلية بعد انتهاء الحكم العربي فيها الذي استمر لغاية 450هـ.

تعايش من بقي من المسلمين في صقلية مع النورمان مدة ثلاث وتسعين ومئة سنة، وظلت اللغة العربية إحدى اللغات التي أقرتها الدولة في سجلاتها إلى جانب اللاتينية واليونانية.

وفي سنة 643هـ احتل الجرمان الجزيرة بقيادة فردريك الثاني الذي نكل بالمسلمين ليدفعهم إلى الجلاء سنة 647هـ/ 1249م، ثم قضى عليهم بتحريض الملك شارل دانجو عام 700هـ/1300م، لكن اللغة العربية لم تمح آثارها، فثمة أسماء كثيرة في صقلية لها أصول عربية.

الشعر

اعتمد الشعر الصقلي محاكاة المشارقة والمدرسة الإفريقية في القيروان، وكان تأثيره بالأندلس أقل من تأثيره بإفريقية والمشرق، وقد غذي بالدراسات الإسلامية، ولاسيما الفقه، واللغة، وامتلأ بالألغاز والتلاعب اللفظي بالأسماء، وكان هناك أخذ بأسباب الدين والزهد والتصوف إلى جانب التيار المعاكس المتمثل بالحديث عن الخمر، وبائعها، وشاربها، والتغني بذكر الصليب والزنار.

وقد شارك بعض الأمراء الكلبيين في النشاط الأدبي ولاسيما الشعري.

فنونه وخصائصه
في العصر الإسلامي، وصف الشعراء القصور، والمتنزهات، والخمر، وكثر التغزل بأسماء تقليدية مثل سلمى، وسعاد، وبثينة، كما كثرت الرسائل الشعرية نتيجة هجرة الناس من صقلية وإليها.

أما في العصر النورماني، أو مرحلة التعايش بين العرب والصقليين فالشعر الباقي يمثل اتجاهين: أما الاتجاه الأول فهو الشعر الذي يتصل بالملك النورماني وبلاطه وأبنائه وحاشيته، ومنه قصيدة أبي الضوء سراج في رثاء ولد روجار.

ويصوّر الاتجاه الثاني الشعر الذي يمثل حياة المسلمين وعلاقاتهم فيما بينهم، وقد انفرد محمد بن عيسى بذكر العيد وحال السرور والتحدث عن الملائكة. وكثيراً ما نفر الناس من الشعر ذي الاتجاه الأول، فقد كان ابن بشرون شاعراً فحلاً أحبه الناس، فأراد الملك روجار الأول أن يضفي على اغتصابه الجزيرة أسمال الشرعية موهماً الناس بقبوله من وجهائهم، فاستدعى ابن بشرون وطلب إليه أن ينشده مديحاً فلما ارتجل الشاعر أبياته ابتعد عنه الناس.

ولما اطلع العماد الأصفهاني على كتاب ابن بشرون الذي خصص فيه فصلاً لشعراء صقلية قال بعد أن حذف الشعر الذي وجده في مديح الكفار: «واقتصرت من القصيدتين على ما أوردته لأنهما في مدح الكفار، فما أثبته».

أعلام الشعراء

من شعراء القرنين الرابع والخامس: ابن الخياط الصقلي: أبو الحسن علي بن محمد، كان شاعراً نابهاً أيام حكم الكلبيين في صقلية. يكثر في شعره المدح والغزل ووصف الطبيعة.

أبو العرب مصعب بن محمد بن أبي الفرات القرشي: ولد في صقلية سنة 423هـ، ثم غادرها إلى الأندلس سنة 463هـ مع من هاجر منها إثر الاحتلال النورماني، فلحق بالمعتمد بن عباد، ثم بناصر الدولة صاحب جزيرة ميورقة بعد أن دالت دولة العباديين، وبقي هناك إلى وفاته سنة 506هـ. أهم أغراضه الشعرية المدح وجلّه في المعتمد كما دعا إلى التمتع بمباهج الحياة فقال:

متّع شـــبابك واســـتمتع بجدّتـــه فهـــو الحبيـــب إذا مــا بان لـم يؤب ابن القطاع، أبوالقاسم علي بن جعفر بن علي السعدي: ولد سنة 433هـ بصقلية، ثم هاجر إلى مصر بعد اشتداد ضغط النورمان. كان شاعراً عالماً باللغة والأدب والتاريخ. من مؤلفاته «تاريخ صقلية» و«أبنية الأسماء والأفعال» و«البارع في العروض والقوافي» و«الدرة الخطيرة في المختار من شعراء الجزيرة» وقد اشتمل على مئة وسبعين شاعراً، وعشرين ألف بيت من الشعر. عالج في شعره مجالس الخمر بالوصف والإثارة، وأبدع في الغزل.

ومن شعراء القرن السادس

البَلَّنوبي، أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن أبي البشر: ينسب إلى بَلَّنوبة وهي بُليدة بجزيرة صقلية ذكرها ياقوت تسمى اليوم فيلانوفا Villa Nova كان والده مؤدباً لأبي الطاهر التجيبي (ت445هـ).

أقام أبو الحسن مدة في صقلية ثم غادرها إلى مصر مع جملة من المهاجرين، وهناك اتصل بعدد من رجال الدولة ومدحهم منهم بنو الموقفي، وابن المدبّر واليازوري (نسبة إلى يازور من قرى فلسطين). فنون شعره كثيرة.

عبد الجبار بن أبي بكر بن حمديس: ولد في سرقوسة على الساحل الشرقي من صقلية وفيها قضى شطراً من حياته، ثم انتقل إلى تونس في طريقه إلى الأندلس بعد هجرة العلماء من بلده. قصد المعتمد بن عبَّاد واستمر في رعايته إلى أن دالت دولة العباديين، فارتحل إلى إفريقية، وبقي في رعاية بني حمَّاد في بجاية إلى أن توفي سنة 527هـ. اشتهر بشعر الحنين، ووصف الطبيعة.

النثر

فنونه وخصائصه
أنتجت صقلية نثراً خصباً يوازي نشاطها في الشعر، فقد نبغ فيها كتّاب، وسعوا أغراض النثر وفنونه، ووضع بعضهم مقامات كانت ذائعة مشهورة منها مقامات «الطوبي» التي بلغ فيها الغاية في الفصاحة.

كما ألف بعضهم كتباً في تاريخ صقلية وأرخوا لرجال الفكر والعلم و الأدب.

وظهر عدد من اللغويين والنحويين حاولوا الحفاظ على الفصحى، وتخليصها مما لحقها من تصحيف، ولاسيما في مرحلة التعايش بين العرب المسلمين والصقليين، فقد استمرت السيادة للغة العربية والثقافة العربية الإسلامية بعد أفول نجم السيادة العسكرية والسياسية نحو قرنين من الزمن.

أعلام الكتّاب
أبو عبد الله محمد بن الحسن الطوبي كاتب الإنشاء: كان له شعر في الغزل والزهد، لكن النثر غلب عليه. وصفه العماد الأصبهاني بقوله: «إمام البلغاء في زمانه».

أبو حفص عمر بن حسن النحوي: كان إماماً من أئمة النحو، استشهد به وبآرائه ابن منظور (ت711هـ) صاحب معجم لسان العرب.

ابن البر، محمد بن علي بن الحسن التميمي: من أعلام القرن الخامس، ولد في صقلية، وارتحل في طلب العلم إلى المشرق فنزل مصر وأفاد من الهروي (ت433هـ) وابن بابشاذ النحوي (ت454هـ) وصار إماماً في علوم اللغة والآداب. لما عاد إلى صقلية، استقر بمازر، ثم في بالرمو.

أبو حفص عمر بن خلف، ابن مكي الصقلي المتوفى سنة 501هـ: ولد في صقلية، ثم هاجر إلى تونس فولي القضاء بها سنة 460هـ. كان شاعراً مجوّداً نظم في أدب المجالس والصداقة، وتغلب على أشعاره معاني الوعظ والإرشاد والحكمة. وكان كاتباً بليغاً اشتهر بتبحره في اللغة، صنّف «تثقيف اللسان وتلقيح الجنان»، وجعله في خمسين باباً، جمع فيه ما يصحف الناس من ألفاظهم وما يغلط فيه أهل الفقه والحديث، وأضاف أبواباً مستطرفة، ونتفاً مستملحة، وقد نقد المغنين لأنهم كانوا يحرصون على أداء النغم ويحرفون النص. ومقصد الكتاب في أعماقه رد اللغة العربية إلى الفصحى. وعدم إقرار المحلية، وقد كانت صقلية ملتقى شعوب، وليست وطناً لشعب.










 
قديم منذ /07-24-2011, 08:01 PM   #72

راكــــ*العتيـبـي*ـــــان
زائر

 رقم العضوية :
 المشاركات : n/a

افتراضي رد: موسوعة اللغة العربية(النحو والصرف-الأدب-البلاغة والنقد-العروض والقافية)

6

الأدب العربي في العصر الحديث


حتى مستهل القرن التاسع عشر كانت الحياة العربية بمجملها تخضع لركود شامل في ظل سيطرة الدولة العثمانية على أقطار الوطن العربي، سواء أكانت تلك السيطرة قوية مباشرة كما في بلاد الشام والعراق ومصر، أم ضعيفة أو إسمية كما في أقطار المغرب العربي وبلدان شبه الجزيرة العربية.

وكان الأدب العربي، بصفته أحد أنماط تعبيرات تلك الحياة الراكدة عن ذاتها، خامد الجذوة ويكاد يقتصر على ترديد ما تخلف عما اصطلح على تسميته في تاريخ الأدب العربي باسم: أدب عصر الانحطاط، أو أدب الدول المتتابعة.

وقبيل ابتداء القرن التاسع عشر أخذ الاصطدام العنيف بالغرب يهز ذلك الركود المتوارث هزاً شديداً. فقد جاء ذلك الاصطدام غزوات عسكرية تواصلت حتى ما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وأسفرت عن استعمار مباشر لسائر أجزاء الوطن العربي باستثناء شمالي اليمن وأواسط شبه الجزيرة العربية. واستمر هذا الاحتلال حتى نهاية الحرب العالمية الثانية على وجه التقريب، كما تواصل في بعض الأقطار - كالجزائر - حتى منتصف عقد الستينات من القرن العشرين. أما في فلسطين فقد أقيمت دولة استيطانية ليهود العالم (دولة إسرائيل) الأمر الذي ترك نتائج مأساوية كبيرة ومباشرة على عرب فلسطين، ونتائج شبه مباشرة على بقية العرب في مختلف أقطارهم كانت شدتها متفاوتة بهذا القدر أو ذاك، بحسب قرب كل قطر أو بعده عن حدود تلك الدولة الاستيطانية.

ومع انتهاء الاحتلالات، وحصول الاستقلالات، كان نمط جديد من الاستعمار الاقتصادي العالمي يتولد من طبيعة عمل الرأسمالية العالمية وتطوراتها، ويترك آثاراً سلبية عميقة في نمو سائر المستعمرات السابقة، وخاصة في نمو أقطار الوطن العربي الغنية بمصادر الطاقة والفريدة في موقعها الاستراتيجي في قلب العالم الذي أخذت تتكاثر فيه القوى الكبرى المتصارعة اقتصادياً وأيديولوجياً.. وكل ذلك قد ترك - ولا يزال يترك - آثاره في سيرورات الحياة في المجتمعات العربية، فتنعكس في الأدب شكلاً ومضموناً.

إن ابتداء اصطدام العرب بالغرب، وما أحدثه من ارتجاج قوي على سطح الحياة العربية الراكدة في أعماقها، لم يسفر عن شعور عربي عام بالعجز وعن استثارة لمقاومة النتائج العسكرية للغزو المتوالي وحسب، بل هو أيضاً قد طرح على العرب مشكلة خمود طاقات الإبداع وتجلياته لديهم، كما طرح عليهم إشكالية اللحاق بركب التقدم العالمي تأسيساً على موروثهم الحضاري من جهة، وفي ظل الاستعمار ذاته من جهة أخرى. فالغزو لم يكن وقع آلة عسكرية وحسب بل كان يحمل معه أيضاً مفهومات النظام الحضاري الذي أنجز الآلة، والقيم البرغماتية لذلك النظام والمتضاربة جذرياً مع القيم العربية الإسلامية السائدة آنذاك، مثلما كان يحمل معه أدوات عمل، وأساليب تصرف، ونهج سلوك، ووسائل ترفيه فني، وكلها غير مألوفة...

واختصاراً كان وراء آلة الحرب الغازية ومعها كل ما تمخض عنه التكوين البنيوي الحضاري الغربي من معطيات غير مألوفة ولا معروفة، وحتى غير مقبولة، لدى العرب في حينها.

وإذا كانت غزوة نابليون لمصر في نهاية القرن الثامن عشر تعد افتتاحاً ومدخلاً لعدم اصطدام العرب بالغرب اصطداماً قوياً فعالاً فإنه من المفيد ذكر أنه كانت هناك احتكاكات غير صدامية تمثلت في قدوم إرساليات دينية (كاثوليكية - بروتستنتية - أرثوذكسية) إلى لبنان بوجه خاص، قبل غزو نابليون لمصر بأوقات متفاوتة، ولكنها لن تبرز على أنها قوى مؤثرة في تطورات الوضع العربي: الأدبي منه والفكري على وجه الخصوص، إلا في القرن التاسع عشر.

ولا بد هنا من عرض صورة إجمالية للوضع العربي في ظل الحكم التركي للإحاطة بأجزاء صورته المتكاملة وتبين حقيقة الفواعل التي ستؤثر في التاريخ الأدبي المعاصر في القرنين التاسع عشر والعشرين كما ستؤثر في تطورات أشكاله الفنية ومضموناته.

لقد أشير قبلاً إلى التفاوت في علاقة الأقطار العربية بالسلطنة العثمانية تبعاً لقربها أو بعدها عن اصطنبول (عاصمة السلطنة) ففي حين كانت أقطار المغرب العربي وكثير من أقطار شبه الجزيرة العربية لا تخضع إلا لسلطة إسمية للعثمانيين، إذ كان لكل من هذه الأقطار حاكم شبه مستقل ينتقل الحكم في ذريته بالوراثة، فإن مصر والسودان (وادي النيل) عرفتا تقسيماً للسلطة بين الولاة الأتراك (الباشاوات) وبين المماليك (البكوات) وغالباً ما كانت كفة ميزان النفوذ تميل لصالح هؤلاء إزاء كفة أولئك.

أما في بلاد الشام والعراق حيث كانت قبضة السلطة محكمة ومرهقة، فقد اعتمد نظام التقسيم إلى ولايات، ونظراً إلى ما كانت تعانيه السلطة من انحطاط عام، وإداري خاصة، فقد عمدت دائماً إلى تعيين ولاة همهم جباية المال إضافة إلى كونهم متنافسين متنابذين، وهو الأمر الذي جر الكوارث على الرعية، إذ عمت الفوضى، وانتشر الفساد، واختل الأمن اختلالاً مفزعاً، وكثرت المجاعات والأوبئة، وأثيرت الفتن الطائفية والحروب الأهلية.. فتدهورت الأوضاع الاجتماعية بعد أن تحولت خطوط التجارة بين أوربة والشرق عن المنطقة لتسلك طريق رأس الرجاء الصالح.

وبسبب من هذه الأوضاع المختلة إجمالاً تمكنت الدول الأوربية العظمى آنذاك (إنكلترة - فرنسة - روسية) من إيفاد إرسالياتها الدينية التي عمدت إلى إنشاء مدارسها الخاصة أول بأول.

وفي لبنان تمكن الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير (أواخر القرن السادس عشر) من أن يشيع، لوقت قصير، جواً من التحرر. وقد أسهم ذلك في تقبل نشاط الإرساليات الذي هيأ للتفاعل لاحقاً مع ما سوف يفد من فكر غربي مع الغزوات الاستعمارية المقبلة.

وفي فلسطين أثر ظهور الوالي الشيخ ضاهر العمر في ازدهار الحياة الاقتصادية ازدهاراً نسبياً، وكان أحد الزعماء المحليين في اليمن (مستهل القرن السابع عشر) قد تمكن من طرد الوالي التركي وإقامة حكم وطني دام وقتاً غير قصير. وإذا كان العثمانيون قد تمكنوا من استعادة شيء من نفوذهم على اليمن بعد ذلك فقد كان نفوذاً قلقاً ومكلفاً غير مستقر.

وفي أواسط القرن الثامن عشر ظهرت في قلب الجزيرة العربية (نجد خصوصاً) حركة إصلاح ديني قادها محمد بن عبد الوهاب (1703-1792م)، ورمت إلى تظهير العقيدة مما لحق بها من بدع وعرفت باسم الحركة الوهابية. وبتحالف أتباعها من أمراء نجد من آل سعود تمكنت هذه الحركة من توسيع نفوذها بعيداً.

وكان الإنكليز والبرتغاليون - والهولنديون إلى حد ما - يتنازعون السيادة على الشواطئ الجنوبية والشرقية لشبه الجزيرة، فتمكن الإنكليز من الفوز أخيراً بهذه السيادة.

تلك هي السمات الإجمالية لصورة الوضع العربي في ظل السلطنة العثمانية حتى مستهل القرن التاسع عشر. ولا ينتظر، في مثل هذه الأوضاع، أن تزدهر حركة فكرية أو نشاط أدبي، وعليه فقد كان النتاج الثقافي مقتصراً على التحشية والتلخيص والتفسير والجمع، وطغت الشكلية واللفظية طغياناً صارماً على الأدب خاصة.

غير أنه، تحت سطح هذه الصورة التي تبدو في غاية الخمود، كان هناك تململ واضح ورغبة في الإصلاح تذكيها مقارنة الواقع بالماضي، وتحرضها - إلى هذه الدرجة أو تلك - مجموعة التفاعلات المتقطعة مع طوالع الفكر الغربي التي حملتها مؤسساته التجارية والدينية، وقواها كون الوطن العربي معبراً لخطوط المواصلات والتبادل التجاري بين الشرق والغرب، قبل اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح.

وقد كان لمجموع ما ترافق مع غزوة نابليون لمصر - أو حملته عليها - آثار لا تنكر في إذكاء نزعة الاستقلال وروح النهضة. غير أنه لا يمكن للمرء أن يقر بالمبالغات التي نسبت إلى تلك الحملة والتي يجعلها كثير من المؤرخين سبباً وحيداً أساسياً لجملة التحولات التي ستحدث في الواقع العربي لاحقاً، بل لابد من رؤية ما ترتب على تلك الحملة في حدوده الموضوعية، بصفتها «رجة» كبرى في سياق تاريخي محلي وعالمي معقد ومتشابك ومركب.

لقد حمل نابليون معه مطبعة عربية كان قد استولى عليها من الفاتيكان، ولكنه خصصها في المدة القصيرة التي استغرقتها الغزوة (سنتين وبضعة أشهر) لطبع ما كان يهمه من منشورات دعائية. وقد أنشأ ما أسماه مجمعاً علمياً، ومكتبة للمطالعة، ومسرحاً للترفيه عن جنوده، كما شق بعض الطرق.. وهو ما يظهر مفصلاً في تاريخ الجبرتي، إلا أن الحملة واجهت عداء داخلياً وخارجياً قوياً، وشبت في وجهها ثلاث ثورات، وذلك ما منع استقرارها فانتهى بها الأمر إلى الجلاء عن مصر بعد هزيمة جيش نابليون أمام أسوار عكا، وتحطم أسطوله في أبي قير.

إن عرب مصر قد اطلعوا - بوساطة تلك الحملة - على المسرح والمطبعة والصحافة، وتعرفوا شيئاً من أهميتها وضرورتها، فتحرض الاهتمام بها، وهو ما ساعد لاحقاً على سرعة نشوئها في مصر، غير أنه ما كان لتلك «البذور النهضوية» أن تنمو إلا بوجود التربة الصالحة، فالحملة إذاً أسهمت في بزوغ النهضة، لكنها لم تكن إلا واحداً من أسبابها الرئيسة ليس أكثر.

وفي تلك الغزوة أو الحملة تم اكتشاف حجر رشيد، ثم استطاع مكتشفه العالم جان فرانسوا شامبليون Champollion حل رموز الخط الهيروغليفي فانكشفت حقائق تاريخية حضارية عريقة كانت مجهولة، الأمر الذي أوجد دافعاً إضافياً للعرب المصريين كي يتعجلوا ابتداء النهضة والخروج من حال الخمود السابق. كما أن العلماء المرافقين للحملة - وعددهم يزيد على أربعين - قاموا بتأليف كتاب من عشرة مجلدات، بالفرنسية، سموه، «وصف مصر» Description de l'Egypte صار فيما بعد عوناً للباحثين في تحري أوضاع ذلك القطر العربي من جوانبها المختلفة زمن الحملة.

ولعل أهم ما انجلت عنه الحملة هو أنها كانت سبباً في ظهور محمد علي، ذلك الضابط الألباني الطموح الذي قدم ليشارك في إخراج الفرنسيين من مصر، فلمع نجمه وانتهى به الأمر إلى أن ولاه الباب العالي (السلطان العثماني) عليها. ومع أنه لم يكن متعلماً فقد ظهر أنه كان يدرك جيداً فضل العلم في نهضات الأمم. فشجع العلماء وأرسل البعوث إلى فرنسة فكان من رجالها أوائل بناة النهضة الفكرية والثقافية في مصر. واستعان كذلك بضباط من فرنسة وغيرها لتدريب الجيش الحديث الذي أنشأه ولتنظيم مؤسساته. وفي الوقت ذاته أنشأ المدارس التي تعلم العلوم الحديثة وتعنى بترجمة كتبها، وأسس أول جريدة في الوطن العربي صدر بعضها باللغة العربية.

ولعل أهم خلفائه هو الخديوي إسماعيل (1863-1879) الذي أنشأ مدارس للبنات، وأسس المكتبة الخديوية (دار الكتب المصرية اليوم)، وقامت في عهده بعض الكليات الأمريكية في القاهرة والصعيد مثلما انتهى حفر قناة السويس (1859-1869) وتم افتتاحها، فاستعاد الوطن العربي مركزه ممراً لطرق التجارة العالمية بين آسيا وأوربة، بما لذلك من منعكسات مهمة على سيرورات التفاعل الثقافي العربي مع ثقافات القارتين المذكورتين.

أما الحملتان المصريتان على بلاد الشام (1831-1833 و1839-1840) فقد أشاعتا فيها جواً شجع علم الإرساليات فزاد بذلك من تفاعل أبنائها مع الفكر والثقافة الغربيين، إذ أسست تلك الإرساليات عدداً من المدارس واستجلبت مطابع لايزال بعضها يعمل حتى الآن.

وقد سبقت هاتين الحملتين حملة أخرى على شبه الجزيرة العربية (1812-1819) منيت بالإخفاق لكنها تركت شعوراً - ولو غائماً - بأهمية وحدة العرب وكما نبهت الأذهان إلى ما كانت تظهر بوادره من نهضة ثقافية في مصر.

وقد ضم محمد علي السودان إلى مصر محققاً وحدة وادي النيل، وذلك بين عامي 1821-1823. لكن الإنكليز قاموا باحتلال السودان بعد ذلك فواجهتهم ثورات أهمها ثورة المهدي (1881-1885)، وانتهى أمر السودان إلى ما سمي «السودان المصري الإنكليزي» في 1898 وكانت السلطة الفعلية فيه للإنكليز، ثم أصبحت مصر نفسها تحت الحماية البريطانية، وعلى أي حال فإن محاولات محمد علي لضم الأقطار العربية في دولة واحدة قد أيقظت حساً قومياً عربياً شعبياً. وهو ما سيظهر أثره بقوة.

ومع أن ليبية ضمت إلى السلطة العثمانية عام 1556، فقد ظلت تتمتع باستقلال ذاتي، وخاصة في عهد الأسرة القرمنلية (1724-1853)، أما أقطار المغرب العربي الأخرى فلم تتبع السلطنة إلا إسمياً، واستقلت تونس عنها عام 1790 استقلالاً تاماً، وظلت الجزائر على تبعيتها الإسمية لاصطنبول منذ أن احتلتها عام 1518، أما سلطنة مراكش (المملكة المغربية اليوم) فلم تخضع للسيادة العثمانية مطلقاً. وفي عام 1830 احتلت فرنسة الجزائر، ثم تونس عام 1881، واحتلت إسبانية أجزاء من مراكش (سبتة ومليلة ومنطقة الريف) ثم احتلت فرنسة مراكش بأكملها بين العامين 1901-1904 وتخلت عن بعض أجزائها لإسبانية عام 1912.

وإذا كان الخمود الثقافي في أقطار الشمال الإفريقي موازياً لنظيره في بقية أرجاء الوطن العربي فإن الاحتلال الفرنسي لأقطار المغرب قد خلق وضعاً ثقافياً متناقضاً ولاسيما في الجزائر التي ضمتها فرنسة إليها وأعلنت أنها جزء منها وفرضت عليها لغتها حتى الاستقلال عام 1962، فذلك الاحتلال قد ولد اعتصاماًَ أشد بالثقافة الإسلامية التقليدية السائدة من جهة، ومن جهة أخرى فتح الأذهان هناك على ثقافة الغرب وفكره. لكن آثار ذلك سوف تتأخر في الظهور، وهذا ماجعل بواكير النهضة وتطوراتها خلال القرن التاسع عشر وقسم غير قليل من القرن العشرين تكاد تنحصر في مصر وبلاد الشام ثم العراق إلى حد ما.

وما يمكن أن يخلص إليه في هذا التقديم هو أن تلك النهضة يجب أن ينظر إليها في سياق فعالية النمط الحضاري الغربي وحركته الاستعمارية، وعد هذه النهضة محاولة للرد على تحديات حركة هذا النظام لوجود الأمة العربية من موقع الصراع معه من أجل البقاء والتقدم. إن ثمة منظومتين ثقافيتين تتفاعلان في إطار تناقضاتهما المفهومية والقيمية: الثقافة العربية الإسلامية، والثقافة الغربية الرأسمالية الاستعمارية. وفي الظروف السائدة حتى اليوم فإن الثانية هي المهيمنة، أما الأولى فمتعثرة الخطا وتابعة من منظور علاقات أصحابها بالغرب.

وهناك أخيراً أمراً لابد من الإشارة إليه لأنه يتضمن في النهاية إشكالية ذات صلة بالمصطلح الذي تندرج تحته مادة هذا البحث. فمصطلح «العصر الحديث» هنا يوحي بإشارة ضمنية إلى فكرة «الحداثة» Modernisme من حيث كونها تملأ هذا العصر بمعطياتها على سائر الصعد. وتعد «الحداثة» في منظور الفكر الأوربي - وهو مصدر هذا المصطلح - حالاً من القطيعة المعرفية الشاملة: فلسفياً وعلمياً واعتقادياً.. وحالاً من القطيعة الشاملة في التقنية والاقتصاد والبنى والعلاقات الاجتماعية.. بين ما أنجزته أوربة منذ ابتداء نهضتها حتى اليوم وما سبق ذلك في العصر الأوسط وفق تقسيمات التاريخ الغربي حسبما صنفها الفيلسوف الألماني هيغل Hegel.

ولما كان «العصر العربي الحديث» - أي القرنان التاسع عشر والعشرون - لا يتضمن شيئاً من تلك القطيعة الأوربية المركبة، ولما كانت التبعية هي سمته الكلية، ولما كان الأدب العربي فيه متأثراً بالضرورة بهذا الوضع التاريخي الحضاري الإجمالي التابع: سواء من حيث تاريخية إنتاجه أو من حيث أنماطه الفنية، ولدلالاته الفكرية والنفسية، وأساليب إنشائه «خطاب» محملاً بروح هذا العصر... فإن معنى «الحداثة» هنا لا يشير إلى تعبيرات فنية مؤصلة على تغيرات نهضوية جذرية متواصلة في الواقع المعاش، بل هي تشير إلى «تزامنات فنية عارضة» - إذا صح التعبير - لواقع يضطرب ويتماوج فيه خليط من مورثات مراحل الحضارة العربية إبان ازدهارها، لكنه خليط مأخوذ بصورة انتقائية، وخليط آخر من تناثرات ما يصل من علوم الغرب وفلسفاته وفكره وأدبه.. فيصطدم الخليطان ويتقاطعان عند حدين من رغبات العرب المتناقضة: رغبات تمسكهم بموروثهم، ورغبات لحاقهم بالغرب المهيمن عموماً.

إن هذه الإشكالية قد تركت ولا تزال تترك آثارها بقوة في الأدب العربي المعاصر. وهي إشكالية يجب أخذها دائماً بالحسبان عندما يوصف هذا الأدب وزمنه «بالحداثة». إذ بها - بوصفها تعبيراً عن انعدام القطيعة وعن التبعية السابقتي الذكر - ترتبط مختلف المصطلحات ذات الصلة بما هو معالج في هذه المادة.

وبمراعاة هذه الإشكالية يمكن القول: إن ثمة يقظة عربية عامة قد ابتدأت، نشطة، في مصر في زمن حكم محمد علي باشا، فلقيت تجاوباً سريعاً نسبياً في بلاد الشام. وأخذت القوى الكامنة في الأمة تتيقظ بفعل مختلف البواعث التي سبق ذكرها. فتسارع إنشاء المدارس الوطنية، وتوالى صدور المجلات والصحف وتأسيس المطابع، وتزايدت ترجمات الكتب العلمية والأدبية الأجنبية إلى اللغة العربية، ونشر كثير من كتب التراث، وتألفت الجمعيات والنوادي الأدبية، وأنشئت المكتبات العامة والمسارح ومجامع اللغة العربية.. كما تزايد إنشاء الجامعات ومعاهد البحث ومؤسساته المختلفة إضافة إلى المراكز الثقافية وسائر مؤسسات «وسائل الاتصال الجماهيري» من إذاعات ومحطات بث تلفزيوني. ولا يكاد قطر عربي يخلو اليوم من وزارة للثقافة.. وكل ذلك يساعد بصورة مباشرة أو غير مباشرة في ارتقاء الإنتاج الأدبي العربي المعاصر وتعميم إيصاله إلى جماهير المثقفين والمتعلمين بمختلف السبل والوسائل المعتمدة في بقية أنحاء العالم.


بواعث النهضة الأدبية في العصر الحديث

يمكن إجمال بواعث هذه النهضة في ما يلي:

البعثات العلمية

يأتي هذا الباعث في المقدمة. وقد بدأت فاعليته بعد انتشار الثقافتين الفرنسية والإنكليزية في المدارس والمعاهد التي أنشئت في الشام ومصر وتخرج فيها المعلمون الذين بعث بعضهم إلى فرنسة لإتمام تحصيلهم في مختلف العلوم. وكانت أولى البعثات عام 1826 في عهد محمد علي باشا، إذ اختير أربعة وأربعون طالباً من طلبة الأزهر، رأسهم رجل النهضة الكبير رفاعة الطهطاوي (1801-1873م). وقد عمل هؤلاء المبعوثون بعد عودتهم، وكل في نطاق اختصاصه، في ميداني الترجمة والتعليم.

ثم توالت البعثات فيما بعد، فشملت عدداً من البلدان الأمريكية والأوربية.

الترجمة
كان لترجمة الكتب الفرنسية والإنكليزية إلى العربية أثر كبير في النهضة الأدبية. وقد بدأت حركة الترجمة في بلاد الشام على يد بعض رجال البعثات الدينية، إذ ترجم هؤلاء بعض الكتب التي احتاجوا إليها في التدريس. لكن حركة الترجمة لم تقو وتتنوع إلا بعد عودة رجال البعثة المصرية الأولى الذين بدؤوا بترجمة بعض الكتب العلمية. ويعود الفضل الأكبر في تنشيط هذه الحركة إلى الطهطاوي الذي أنشأ «مدرسة الألسن» عام 1835. وقد عنيت هذه المدرسة بتعليم اللغات الأجنبية المختلفة، وترجم خريجوها مئات الكتب والقصص والمسرحيات. وشارك السوريون واللبنانيون بقوة في تلك الحركة، ولاسيما بعد أن هاجر بعضهم إلى مصر، مثل: نجيب الحداد، وبشارة شديد، وطانيوس عبده...حتى بلغ عدد الكتب المترجمة نحواً من ألفي رسالة وكتاب. ثم اتسع نطاق الترجمة بازدياد مطرد وما زال يتسع حتى اليوم إذ تشمل المترجمات أهم روائع الأدب العالمي في سائر اللغات الأجنبية الحية.

الطباعة
أنشئت أول مطبعة بحروف عربية في إيطالية عام 1514م، وطبع فيها بعض الكتب الدينية كسفر الزبور، ثم طبع القرآن في البندقية.

أما في البلاد العربية فأول مطبعة أنشئت فيها كانت في حلب سنة 1706م، ثم تلتها مطبعة الشوير بلبنان سنة 1734م ثم أنشئت مطبعة في بيروت سنة 1751م.

ولما قام نابليون بحملته على مصر سنة 1798م أحضر معه مطبعة مزودة بحروف عربية ولاتينية، وقد استخدمها لطبع المنشورات والصحف الخاصة بالحملة. وبعد انتهاء الغزو جعل محمد علي تلك المطبعة نواة للمطبعة الأهلية التي أسسها عام 1821م والتي عرفت فيما بعد باسم «مطبعة بولاق»، وطبعت فيها الكتب الدراسية والكتب المؤلفة والمترجمة. وبعد أربعين سنة بدئ بإنشاء مطابع أهلية كان أقدمها مطبعة «وادي النيل» ومطبعة «جمعية المعارف».

كذلك تأسست في بيروت «المطبعة الأمريكية» عام 1834، ثم تلتها «مطبعة الآباء اليسوعيين» عام 1848، ثم مطبعة «الجوائب» التي أنشأها أحمد فارس شدياق [ر] في الآستانة عام 1861. وقد نشرت كتب كثيرة في هذه المطابع، وبينها عدد من المعاجم العربية القديمة وطائفة من كتب الأدب ودواوين الشعر القديم إلى جانب أمهات كتب التاريخ.

وقد تزايد عدد المطابع منذ مطلع القرن العشرين وتطور نوعها وأصبح أكثرها آلياً حتى لم يخل بلد عربي من مطبعة رافقت تكاثر عدد الصحف والمجلات.

حركة إحياء التراث
كان من أثر الاتصال بالغرب، وابتداء الاستقاء من ثقافته، وما رافق ذلك من استشراق أو استغراب، أن تنبهت العقول إلى ضرورة إحياء التراث العربي ونشره. وقد أنشا علي مبارك [ر] جمعية لنشر المخطوطات العربية القديمة برئاسة الطهطاوي. وفي عام 1898 تألفت جمعية أخرى للعناية بنشر كتب التراث، وكان من أعضائها أحمد تيمور [ر] وحسن عاصم وعلي بهجت. وقد أفادت حركة إحياء التراث مما سبقها إليه المستشرقون في ما نشروه من كتب التراث العربي، إذ عرف عن هؤلاء منهجهم العلمي في تحقيق المخطوطات، ومراجعة أصولها، وموازنة بعضها ببعضها الآخر، كما إنهم أخرجوا ما نشروه في طبعات أنيقة مزودة بالتعليقات المفيدة والفهارس الدقيقة.

ولايزال نشاط حركة إحياء التراث في تصاعد مستمر بفضل ازدياد الوعي بضرورة معرفة التراث معرفة صحيحة وشاملة، وتمثل خير ما فيه تمثلاً موضوعياً مفيداً.

الصحافة
كان لإنشاء المطابع، وانتشار الطباعة أثر واضح في ظهور الصحافة. ومن المتفق عليه أن الصحافة العربية ظهرت في مصر قبل غيرها من البلاد العربية، وكان ذلك في النصف الأول من القرن التاسع عشر، فقد أنشأ نابليون عام 1800م جريدة «التنبيه» وأصدرت البعثة العلمية الفرنسية سلسلة تاريخية قام بتحريرها إسماعيل الخشاب. فلما جاء محمد علي أصدر أول صحيفة عربية سنة 1822م هي «جرنال الخديوي» بالعربية والتركية ثم أصدر جريدة «الوقائع المصرية» سنة 1828م، باللغتين العربية والتركية ثم اقتصرت على اللغة العربية. وقد تداول رئاسة تحريرها بعض كبار الأدباء منهم الطهطاوي وحسن العطار والشدياق ومحمد عبده [ر] وعبد الكريم سلمان. وتلتها «المبشر» التي أصدرها الفرنسيون في الجزائر عام 1847م وكانت تصدر مرتين في الشهر، وكان حجمها كبيراً وعباراتها ضعيفة. ثم توقفت الصحافة في مصر وظهرت في سورية، أولاً على يد الإرساليين الأمريكيين إذ أصدروا نشرة دينية عام 1851م كانت تخرج مرة في السنة، ثم مرة كل أربعة أشهر، ثم احتجبت عام 1855م، وفي هذه السنة أنشأ رزق الله حسون في اصطنبول «مرآة الأحوال» وهي أول جريدة عربية سياسية خاصة، لكنها لم تستمر بعد السنة إلا قليلاً، وأنشئت بعدها جريدة «السلطنة» في الآستانة لجورج شلهوب عام 1857م، ثم «حديقة الأخبار» في بيروت عام 1858م لخليل خوري، وظلت تصدر بعد وفاته حتى عام 1909م. وقد ازدهرت الصحافة العربية بظهور «الجوائب» للشدياق في اصطنبول عام 1860م واستمرت حتى عام 1884م. وفي عام 1861 صدرت في تونس صحيفة «الرائد التونسي» وهي جريدة رسمية،ثم أنشأ المعلم بطرس البستاني [ر] «نفير سورية»، وابنه سليم «الجنة» ثم «الجنينة» عام 1871م. وفي عام 1866م أنشأ عبد الله أبو السعود في القاهرة الصحيفة السياسية «وادي النيل». وفي بغداد أنشئت «الزّوراء» عام 1868م، ثم ظهرت عام 1870م في بيروت صحيفة «البشير» على أيدي الآباء اليسوعيين.

وقد ساعدت هجرة بعض السوريين إلى مصر على ازدهار الصحافة فظهرت بعض الجرائد منها «الكوكب الشرقي» لسليم حموي عام 1873م، و«الأهرام» للأخوين سليم وبشارة تقلا [ر] عام 1876م في الاسكندرية، ثم نقلت إلى القاهرة ولاتزال تصدر حتى اليوم، ثم «الوطن» لميخائيل عبد المسيح عام 1877م، وفي السنة نفسها صدرت «لسان الحال» في سورية لخليل السكاكيني، وفي عام 1880م صدرت «المصباح» لنقولا نقاش ثم عُطلت عام 1908م، و«المحروسة» لأديب إسحق [ر] وسليم النقاش [ر]، وفي عام 1885 صدرت جريدة «الموصل» في العراق، وفي هذه السنة نفسها أصدرت جمعية الفنون الإسلامية في بيروت «ثمرات الفنون» برئاسةالحاج سعد الدين حمادة، وإدارة صاحب امتيازها عبد القادر القباني، وظلت تصدر حتى 1908م، ثم «المقطم» عام 1888م لفارس نمر [ر] ويعقوب صرّوف [ر] وفي هذه السنة صدرت كذلك «المؤيد» لعلي يوسف وأحمد ماضي، ثم «اللواء» عام 1900 لمصطفى كامل [ر]، ثم توالت الجرائد بعد ذلك في شتى البلاد العربية.

أما في المهاجر الأمريكية فأول جريدتين عربيتين ظهرتا هناك هما «كوكب أمريكا» لنجيب عربيلي وأخيه عام 1888م في نيويورك، ثم «الفيحاء» لسليم ودعيبس بالش عام 1894م في سان باولو - البرازيل - وتوالت بعدهما جرائد كثيرة منها في أمريكة الشمالية «مرآة الغرب - المهاجر - الدليل السائح» ومنها في أمريكة الجنوبية «الميزان - الأصمعي - الزمان - الشرق - الإصلاح» وغيرها.

أما المجلات فأقدمها «اليعسوب» التي أصدرها محمد علي الحكيم وإبراهيم الدسوقي، في القاهرة عام 1865م، وهي أو مجلة طبية، ثم «الجنان» لبطرس البستاني في بيروت 1870م، وهي علمية أدبية سياسية كانت تصدر في الشهر مرتين وفي السنة نفسها صدرت «النحلة» للويس الصابونجي في بيروت، وهي أدبية علمية انتقادية، ثم «روضة المدارس» في القاهرة أنشأها نخبة من العلماء والأدباء منهم عبد الله فكري [ر] وإسماعيل الفلكي وبدر الحكيم بإيحاء من علي مبارك وبإشراف الطهطاوي، وهي مجلة علمية تاريخية طبية، ثم أصدر يعقوب صروف وفارس نمر «المقتطف» في بيروت 1876م ثم نقلت إلى القاهرة عام 1886م. وهناك مجلات أخرى كثيرة أشهرها في مصر «الهلال» لجرجي زيدان [ر] وقد أنشئت عام 1892م، وطبع في مؤسستها كتب كثيرة تاريخية وأدبية أشهرها روايات مؤسسها عن تاريخ الإسلام، وتلتها «التنكيت والتبكيت» و«الأستاذ» عام 1892م وكلتاهما لعبد الله نديم [ر] وتوالى بعد ذاك ظهور مجلات كثيرة كمجلة المجمع العلمي العربي بدمشق عام 1921م، ثم «الأديب والكاتب والثقافة والآداب» وغيرها، وبعضها خاص بالمرأة مثل «العروس» لماري عجمي [ر] وقد ظهرت عام 1910م، و«المرأة» لنديمة المنقاري في سورية عام 1934م وغيرها كثير.

وفي المهجرين الشمالي والجنوبي صدرت مجلات كثيرة أشهرها في نيويورك «الفنون» لنسيب عريضة عام 1913م و«السمير» لإيليا أبو ماضي عام 1929م. وفي سان باولو - البرازيل - صدرت عام 1930م «الأندلس الجديدة» لشكر الله الجر، ثم «العصبة» لجمعية العصبة الأندلسية عام 1935م.

ومن الملاحظ أن الصحف العربية كانت في أوائلها ركيكة العبارة، يطغى على أسلوبها المحسنات البديعية من سجع وجناس وطباق، ثم لان أسلوبها، وابتعد كتّابها عن الزخرف والحشو، وتوخوا تأدية المعاني بدقة وبساطة ووضوح فأضحت لغتهم وسطاً بين الفصحى والعامية.

المدارس والجامعات
سبق تأسيس المدارس والجامعات في مصر وبلاد الشام نظيره في الأقطار العربية الأخرى، وكان التعليم في مصر قبل محمد علي باشا مقصوراً على الكتاتيب وعلى الجامع الأزهر الذي أصبح في عام 1936 جامعة تضم كليتي «الشريعة وأصول الدين» و«اللغة العربية». وبعد عام 1961 أضيفت إليه كليات العلوم الحديثة المتنوعة. ومن الأزهر اختيرت أولى البعثات إلى فرنسة أيام محمد علي، وفي عهده أنشئت المدرسة الحربية ومدرسة الطب. وفي عهد الخديوي إسماعيل أنشئت مدارس الحقوق والمعلمين والعلوم والفنون والصناعات ودار العلوم العالية. وهكذا تدرج التعليم من الابتدائي إلى الثانوي، ولاسيما بعد عودة رجال البعثة الأولى من فرنسة، ثم عني المسؤولون بالتعليم العالي فأنشئت «الجامعة المصرية» في القاهرة عام 1908، وتوالى بعد ذلك إنشاء الجامعات الأخرى في القاهرة والإسكندرية وأسيوط وغيرها.

أما في بلاد الشام فكانت مدارس البعثات الدينية أسبق من غيرها، ثم كثرت المدارس وتنوعت بين أهلية وأجنبية، فكان منها في لبنان مدرسة «عينطورة» التي أسسها الآباء العازاريون سنة 1834، ومدرسة «عبيّة» العالية التي أسست عام 1847، وأدارها المستعرب الأمريكي كرنيليوس فان دايك Cornelius Van Dyk ومدرسة «غزير» التي أنشأها اليسوعيون في العام ذاته. وفي عام 1860 أنشئت «المدرسة الإنكليزية» وهي أول مدرسة للبنات، ثم «الكلية الإنجيلية الأمريكية» للبنات عام 1861. وتوالت بعد ذلك مدارس البنات للراهبات العازاريات وراهبات المحبة و«زهرة الإحسان» للروم الأرثوذوكس... وسواها.

أما أولى المدارس الوطنية الخاصة فقد أنشأها المعلم بطرس البستاني عام 1863 تحت اسم «المدرسة الوطنية» كما أنشأ المطران يوسف الدبس «مدرسة الحكمة» عام 1865.

وفي عام 1866 أنشأت الإرسالية الأمريكية في بيروت كلية تخرج فيها طائفة من العلماء والمتعلمين ثم أصبحت هي ذاتها «الجامعة الأمريكية» الحالية. وكانت تدرس أولاً باللغة العربية ثم عدلت عنها إلى الإنكليزية.

وفي عام 1874 نقل اليسوعيون مدرستهم من غزير إلى بيروت وأصبحت «الكلية اليسوعية» وكانت هي أيضاً تدرس بالعربية ثم عدلت عنها إلى الفرنسية.

وفي سورية كان التعليم أول الأمر دينياً يتم في الزوايا والمساجد، وكان الجامع الأموي أكبر المدارس الإسلامية وأقدمها. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر أخذت المدارس الابتدائية تنتشر في دمشق وحمص وحماه وحلب وسواها. ثم أنشئت في عام 1901 مدرسة للحقوق أضحت فيما بعد «كلية الحقوق»، وأنشئ «المعهد الطبي العربي» فكان منهما نواة الجامعة السورية بعد الحرب العالمية الأولى (جامعة دمشق اليوم).

الجمعيات الأدبية
أسست في العصر الحديث جمعيات كثيرة كان لها دور بارز في إذكاء روح النهضة. ومن هذه الجمعيات ما هو أدبي، وما هو علمي، وما هو سياسي. والمعول عليه هنا الأدبية، وإن أسهمت الجمعيات الأخرى إسهاماً غير مباشر في النهضة الأدبية.

وسبقت بلاد الشام مصر وغيرها في هذا المضمار، إذ تأسست «الجمعية السورية» في بيروت عام 1847 على يد الإرساليين الأمريكيين، وكان هدفها نشر العلوم وترقية الآداب والفنون.وقد أربى أعضاؤها على الخمسين منهم بطرس البستاني وناصيف اليازجي، وقد زودت هذه الجمعية بمكتبة. ثم تأسست «الجمعية العلمية السورية» في بيروت وبلغ عدد أعضائها مئة وخمسين من مختلف مدن الشام إضافة إلى بعض المصريين، وظلت هذه الجمعية تعمل حتى عام 1868. ثم أنشئت في بيروت «جمعية زهرة الآداب» عام 1873 وكان من أعضائها نفر من الأعلام بينهم: سليمان البستاني، وأديب إسحاق، ويعقوب صروف، وفارس نمر، وإبراهيم اليازجي. وكان هدفها التمرس بالخطابة والبحث وكتابة الروايات والمسرحيات التي كان يمثلها الأعضاء أنفسهم. وقد توقفت في عهد السلطان عبد الحميد. ويضاف إلى هذه الجمعيات أندية وجميعات أخرى تأسست في أشهر حواضر بلاد الشام. أما في الآستانة - عاصمة السلطنة - فقد تأسس «المنتدى الأدبي» الذي اتخذ أعضاؤه من النشاط الأدبي واجهة للعمل السياسي القومي العربي.

وأشهر الجمعيات في مصر «جمعية المعارف» أنشأها محمد عارف عام 1868 لنشر الثقافة وإحياء التراث. وقد نشرت كثيراً من كتب التاريخ والفقه والأدب وبلغ عدد أعضائها ستين وستمئة منهم: إبراهيم المويلحي والشدياق ومحمد شافعي ومصطفى رياض باشا وسواهم. وتلتها جمعيات ومنتديات كثيرة، منها «جمعية مصر الفتاة». وكان من أعضائها جمال الدين الأفغاني [ر] وأديب إسحاق وعبد الله النديم، وكان لتعلم المرأة أثر في ظهور بعض الجمعيات والنوادي النسائية التي عنيت بقضايا المرأة إضافة إلى اشتغالها بالنشاط الأدبي المرتبط بتلك القضايا.

وفي المهجرين الأمريكيين
الشمالي والجنوبي أنشأ المهاجرون العرب أعداداً من الجمعيات والنوادي الأدبية، أشهرها في المهجر الشمالي «الرابطة القلمية» التي تأسست في نيويورك عام 1920، ورأسها جبران خليل جبران [ر] وكان ميخائيل نعيمة [ر] أميناً للسر فيها.

أما في المهجر الجنوبي فقد تأسست «العصبة الأندلسية» في البرازيل عام 1933 ورأسها ميشال المعلوف أولاً ثم رشيد سليم الخوري الشاعر القروي ثم شفيق معلوف. ثم تأسست «الرابطة الأدبية» في الأرجنتين عام 1949 برئاسة جورج صيدح، ولكنها لم تعمر إلا عامين إذ حلت بعودة رئيسها إلى وطنه سورية.

المجامع اللغوية
ساعدت هذه المجامع على خدمة اللغة والأدب والتراث العربي مساعدة طيبة. وأقدمها هو «المجمع العلمي العربي» تأسس في دمشق عام 1919، بجهود محمد كرد علي ورئاسته. وقد عني هذا المجمع بوضع المصطلحات العلمية الحديثة، وتصحيح الأخطاء اللغوية الشائعة، ونشر كتب التراث، وضم أعضاء دائمين من سورية وأعضاء مراسلين من البلاد العربية الأخرى ومن المستعربين ومنذ عام 1958 غدا اسمه «مجمع اللغة العربية».

وفي القاهرة تأسس «مجمع فؤاد الأول للغة العربية» عام 1932، وصار اسمه فيما بعد «مجمع اللغة العربية» وبعد ذلك تأسست مجامع أخرى مشابهة في عدد من الأقطار العربية كالعراق والأردن والسودان والمغرب وسواها.

المكتبات
من المكتبات المهمة ما هو عام وما هو خاص. وأشهر هذه المكتبات وأقدمها «دار الكتب الخديوية» التي أنشأها علي مبارك في القاهرة عام 1870، ثم «المكتبة الظاهرية» التي تأسست في دمشق عام 1878 أيام حكم الوالي مدحت باشا وأشرف على جمع كتبها ومخطوطاتها النفيسة الشيخ طاهر الجزائري [ر]، ثم «المكتبة الأزهرية» التابعة للجامع الأزهر في القاهرة، وقد تأسست عام 1879 بعد أن ازدادت ثروة الجامع الأزهر من الكتب.

ومن أشهر المكتبات الخاصة «الخزانة التيمورية» لأحمد تيمور، و«الخزانة الزكية» لأحمد زكي. وتمتاز هذه الأخيرة من سواها باحتوائها الكتب الأجنبية التي ألفها المستشرقون بالفرنسية والإنكليزية والألمانية وغيرها من اللغات. وأخيراً هناك «المكتبة الآصفية» لمحمد آصف ابن أخت أحمد تيمور.

وفي بيروت تأسست «المكتبة الشرقية» للآباء اليسوعيين، ومكتبة «الجامعة الأمريكية». وفي العراق مكتبات «الكاظمية» و«كربلاء» و«النجف» و«الحلة» و«الساوة» و«بغداد». وفي المدينة المنورة مكتبة «عارف حكمت». وفي تونس «المكتبة الصادقية» وفي الجزائر «مكتبة الجزائر الأهلية» وفي الرباط «الخزانة العامة». وفي عام 1978 أنشئت مكتبة الأسد الوطنية في دمشق لتصبح أحدث وأهم مكتبة في الوطن العربي بما تحويه من نفائس الكتب، وما تستخدمه من تقنيات حديثة في الأرشفة والحفظ والإعارة، كما تهتم بجمع كل مايصدر من النتاج الأدبي والفكري العربي وما يتعلق بالثقافة العربية على وجه الإجمال.

المسرح والتمثيل
تعد المسارح والتمثيل من العوامل المهمة المساعدة في تنشيط الأدب ونهضته. وقد عرف العرب منذ قرون كثيرة فن «خيال الظل». لكن الباحثين يجمعون على أن المسرح العربي بمعناه الفني قد ولد في لبنان في منتصف القرن التاسع عشر حين نقل مارون النقاش [ر] مسرحية «البخيل» لموليير إلى العربية ومثلها في بيته عام 1848 بعد أن كان قد اطلع على المسرح والتمثيل في أوربة. ثم أخذ بعدها بتأليف المسرحيات وتمثيلها، وقد جمعت مسرحياته في كتاب «أرزة لبنان»، وكانت لغته فيها أقرب إلى العامية.

وقد نظم خليل اليازجي [ر] مسرحية «المروءة والوفاء» ومثلت عام 1878.

أما في سورية فقد تأثر أحمد أبو خليل القباني [ر] بمارون النقاش فألف ومثل أكثر من ستين مسرحية استوحاها من التاريخ العربي الإسلامي وقصص ألف ليلة وليلة، وأدخل فيها الشعر والموسيقى ولاسيما الموشح ورقص السماح. ومن تلك المسرحيات «هارون الرشيد» و«أنيس الجليس» و«ناكر الجميل» و«مجنون ليلى» و«الأمير علي». وانتقل إلى مصر ومعه جَوقة من الممثلين والمنشدين، فلقي ترحيباً هناك وعلت شهرته وكثر الآخذون عنه. واقتبس قصصاً عن الأدب الغربي.. وكان أسلوبه في أعماله مسجعاً وأقرب إلى الفصحى.

وألف سليمان النقاش - ابن أخي مارون - فرقة تمثيلية هو الآخر وانتقل بها إلى الاسكندرية عام 1876 وترجم «أوبرا عايدة» واقتبس من بعض مسرحيات كورني وراسين، واشترك مع أديب إسحاق في تأليف المسرحيات التي شاركهما يوسف الخياط في تمثيل بعضها. ثم انتقل الخياط إلى القاهرة فمثل على مسرح دار الأوبرا مسرحية «الظلوم» التي حضرها الخديوي إسماعيل فأغضبته ظناً منه أن صاحبها يعرض به، فأمر بإخراجه من مصر.

وكان المسرح قد بدأ في مصر عام 1869 على يدي يعقوب صنوع المعروف بأبي نظارة. وقد مثل اثنتين وثلاثين مسرحية من اقتباسه أو تأليفه عالج فيها بعض المشكلات الاجتماعية بأسلوب انتقادي تقرب لغته من العامية، منها تمثيلية «الوطن والحرية» التي أثارت غضب الخديوي إسماعيل فأمر بإغلاق مسرحه عام 1871، وألفت فرقة سليمان قرداحي ومعه سلامة حجازي [ر] عام 1882. وقد عمل حجازي مع أبي خليل القباني عند انتقاله إلى القاهرة عام 1884 كما عمل مع اسكندر فرح. وعلى أيدي هؤلاء ازدهر التمثيل الذي يجمع بين الجد والهزل والشعر والغناء وظل مسرحهم يعمل حتى عام 1900.

ثم ألف جورج أبيض فرقته بعد أن عاد متخصصاً بهذا الفن من باريس عام 1910 فمثل مسرحية فرح أنطون «مصر الجديدة ومصر القديمة» التي كانت نقلة واسعة للمسرح باتجاه «المسرح الاجتماعي». وقد اتسم مسرح جورج أبيض بالجدية المأسوية واستمر حتى الحرب العالمية الأولى. وتابع المسرح في مصر تقدمه على يد يوسف وهبي [ر] الذي افتتح عام 1923 «مسرح رمسيس» ومثلت فرقته ما يقارب مئتي مسرحية كان بعضها مترجماً وبعضها الآخر من تأليفه أو تأليف غيره.

ومن الملاحظ أن التمثيليات العربية آنذاك - معربة أو مؤلفة - كانت إما مأساة Tragédie وإما ملهاة Comédie، أما التمثيليات الهزلية الضاحكة Farce فقد عرفت تقدماً واضحاً مع نجيب الريحاني [ر] الذي تقمص شخصية «كشكش بك عمدة كفر البلاص» الذي يهرب من زوجه ويركض وراء النساء. وقد تعاون الريحاني مع بديع خيري في تأليف مسرحيات هزلية شعبية، أو ترجمتها، كما تعاون معه في تمثيلها وإخراجها. وقد أربت تلك المسريحات على أربعين وكانت ذات طابع تهكمي ساخر.

وأنشأ علي الكسار المعروف باسم «بربري مصر» مسرحاً هزلياً إلى جانب مسرح الريحاني، وانضم إلى فرقته الممثل إسماعيل ياسين الذي استمر بعد أن أخفق الكسار وأغلق مسرحه. وجاء بعده ممثلون هزليون آخرون، لكن عددهم ظل - ولايزال - أقل بكثير من أعداد الممثلين الجادِّين.

أما المسرح الغنائي فقد بدأه الشيخ سلامة حجازي، وجاء بعده سيد درويش [ر] فطور هذا المسرح ولحن له وشارك في تمثيليات عدة منها «فيروز شاه» و«العشرة الطيبة» و«شهرزاد» و«الباروكة». ثم توقف المسرح الغنائي مدة طويلة حتى ظهرت في بيروت «الفرقة الشعبية اللبنانية» التي أسسها وألف لها عاصي ومنصور الرحباني مشتركين مع عدد من كبار الفنانين ومؤلفي الزجل وعلى رأسهم فيلمون وهبي. وقد قدمت الفرقة مغنيات مسرحيات غنائية كثيرة أشهرها ما أخذت أدوار البطولة فيه المطربة الكبيرة فيروز (نهاد حداد) مثل: مسرحية «الشخص» و«فخر الدين» و«المحطة» و«بياع الخواتم». وهذه المسرحيات الغنائية - مع أنها تستخدم العامية لغة لها - ترقى إلى مصاف أرقى ما أنتجه المسرح العربي من حيث المشكلات المطروحة فيها وأساليب المعالجة وجمال الأداء وتفوق الموسيقى. ويمكن عدّ مسرح الرحابنة امتداداً متطوراً لمسرح سيد درويش.

النثر

فنون النثر وتطوره في القرن العشرين

بعد الذي تقدم ذكره، يمكن القول: إن القرن التاسع عشر لم يكن إلا مرحلة الإرهاص بالتطورات الحقيقية الكبيرة التي سيشهدها الأدب العربي في القرن العشرين، ولم يتجاوز ما تم إنجازه فيه حدود «تمهيد الأرض» لزروع التجديد التي ستؤتي أكلها ناضجة - أو شبه ناضجة - في القرن العشرين لسائر أنواع الأدب أو أجناسه حسبما هو معروف في الآداب العالمية.

ومن حيث الأسلوب كان النثر في القرن التاسع عشر مثقلاً بالمحسنات البديعية وبالسجع، بل إن محاولات لإحياء فن المقامة قد جرت على يد الشيخ ناصيف اليازجي. ومن جهة المضمون كان النثر يعنى بالقضايا الاجتماعية والسياسية ولكن بطرائق الوعظ الأخلاقي وبالنقد التهكمي الساخر الذي يتناول المظاهر أكثر مما يتناول الجواهر، ويرى الباحث في أدب العرب في القرن العشرين أن ذلك كله قد تم تجاوزه. فالاتصال بالغرب حرض على إدخال التطوير على الأنواع الأدبية القديمة، كما حرض على ظهور فنون نثرية جديدة بقوالب تعبيرية جديدة.

وفي ما يلي عرض موجز لأهم هذه الفنون والتطورات الحاصلة عليها:

المقالة
من المعلوم أن المقالة نشأت في أحضان الصحافة. ولعل أول من استعمل مصطلح «مقالة» هو أحمد فارس الشدياق حين كتب في مجلة الجوائب «مقالة في أصل النيل». وكانت الصحف عند نشأتها تعنى بالمقالة الافتتاحية وتنشرها في صدر صفحتها الأولى، وتعالج فيها موضوعاً رئيسياً، غالباً ما يكون سياسياً. ووسع ظهور المجلات من ميادين المقالة وأثر في تطورها وتنوع موضوعاتها التي تمس الحياة العامة، وصارت مقالات معظم الكتاب تجمع في كتب لحفظها من الضياع وتيسير سبل الاطلاع عليها من قبل الأجيال اللاحقة.

وقد درج النقاد على تقسيم المقالة بحسب مضامينها إلى عدة أنواع: سياسية واجتماعية وأدبية، ثم توسعت هذه المضامين تبعاً لاتساع فروع المعرفة فأضيفت إليها المقالات: الفكرية والفلسفية والإنسانية والنفسية والدينية والنقدية.

ومن جهة أخرى قسمت المقالات إلى نوعين: المقالة الذاتية، والمقالة الموضوعية.

فالمقالة الذاتية يعالج فيها الكاتب موضوعاً محدداً يعكس انطباعه عنه، إذ تتحكم في الكتابة هنا عواطف الكاتب وانفعالاته الذاتية ويغلب تصوير وجهة نظره الشخصية بأسلوب عفوي. ومن الطبيعي أن تتفاوت المقالات هنا بتفاوت موضوعاتها، واختلاف شخصية كل كاتب، من حيث وضوح الأداء وعمقه وجماله.

أما المقالة الموضوعية فتختلف في أن الكاتب يعالج فيها موضوعاً يرجع فيه إلى المنطق والعقل ومنهجية الأداء، فيكون للمقالة مقدمة ثم عرض فمناقشة فاستنتاجات ثم خاتمة. ويدور الموضوع حول قضية علمية أو فلسفية أو اجتماعية أو سياسية أو نقدية.

ومن أبرز من كتب المقالة الذاتية بعواطف رقيقة، وسعة خيال، وتصوير فني شفيف، وجمل موسيقية قصيرة، مصطفى لطفي المنفلوطي في كتابيه «النظرات» و«العبرات»، وجبران خليل جبران في كتبه «دمعة وابتسامة» و«العواصف» و«البدائع والطرائف» وماري مي زيادة في «سوانح فتاة» و«ظلمات وأشعة». وقد بدأ هذا اللون من المقالة الذاتية يتناقص بعد الخمسينات من القرن العشرين، وإن كان هذا لا ينفي وجود كتّاب له في كثير من أقطار الوطن العربي.

وفي لون آخر من المقالة الذاتية اعتمد كثير من الكتاب أسلوباً فكاهياً يقوم على التصوير الساخر الذي يداخله القص وتميزه حيوية الأداء، وأبرز من كتب المقالة من هذا اللون في القرن التاسع عشر هو أحمد فارس الشدياق في كتابيه «الساق على الساق في ما هو الفارياق» و«كشف المخبا عن فنون أوربة». أما في القرن العشرين فأبرز هؤلاء الكتاب هو إبراهيم عبد القادر المازني في كتبه «قبض الريح» و«من النافذة» و«حصاد الهشيم»، ومع أن هذا الكتاب الأخير هو مجموع مقالات نقدية إلا أن السخرية التهكمية في نبرته واضحة كما أن ذاتية الكاتب هي إحدى سماته البارزة. وهذا مؤشر على التداخل ما بين نمطي المقالة: الذاتي والموضوعي.

وثمة لون ثالث يتميز بعمق الأفكار والتأنق في الألفاظ والتصوير البياني، والخيال الشاعري وأبرز كتابه في القرن العشرين مصطفى صادق الرافعي في «وحي القلم» وفي «حديث القمر» إذ يجد القارئ هنا بعض الغموض والتعقيد في الصور وأسلوب الأداء.

ومع ازدهار الصحافة العربية وارتقاء التعليم وتطور الأدب في القرن العشرين تزايد كثيراً عدد الأدباء الذين يكتبون المقالة الذاتية التي تلامس قضايا موضوعية ومشكلات اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو معاشية.. حتى لا يكاد المرء يجد أديباً عربياً في سائر البلاد العربية لم يمارس كتابة هذا اللون من المقالات في صحيفة أو مجلة ما، وهو أمر يطول حصره واستقصاؤه.

ومن مشاهير كتاب المقالة الموضوعية - وهي لا تخلو بطبيعتها من ملامح ذاتية - أحمد أمين في كتابه «فيض الخاطر»، وطه حسين في كثير من كتبه منها «حديث الأربعاء» و«تجديد ذكرى أبي العلاء» ومحمد كرد علي، ومحمد حسين هيكل، وميخائيل نعيمة في «البيادر» و«النور والديجور» و«الغربال»، وعباس محمود العقاد، والمازني في كتاب «الديوان»... وغيرهم كثير.

ومع التطورات المعقدة في الحياة والأدب العربيين بعد الخمسينات على وجه التخصيص كثر عدد كتاب المقالة الموضوعية إذ تقوم حياة الصحف والمجلات بأنواعها عموماً على هذا اللون من المقالة التي يشارك في كتابتها الصحفيون والأدباء على حد سواء. وقد نشطت المحاضرات وبرامج الإذاعات والتلفزة المعنية بالأدب، وهذه كلها في الأصل مقالات مطورة لتلائم هذه الصيغة أو تلك من وسائل إيصال الأدب إلى الجمهور. وربما أمكن أيضاً إدخال الندوات في هذا الباب.

ولايزال الكتاب المعاصرون يجمعون مقالاتهم في كتب جرياً على ما كان قد سبقهم إليه جيل الرواد في القرنين التاسع عشر والعشرين ممن سبق ذكر أسماء مشاهيرهم. وإذا كان المقام هنا لا يتسع لذكر الأعداد الجمة من الأدباء الذين يكتبون المقالة الموضوعية اليوم في مختلف البلاد العربية إذ توجد مئات من الأسماء، فإنه مما يجدر ذكره أن المقالات قد يطول بعضها وتتسع أفكاره ولاسيما في المجلات المتخصصة فتصبح المقالة أقرب إلى البحث الأدبي القصير الذي يتضمن أجزاء كثيرة، كل جزء منها يعالج جانباً من ذلك البحث أو فكرة من أفكاره.

الخطابة
اتسع مجال الخطابة في العصر الحديث وتنوعت موضوعاتها أو أساليبها إثر قيام الحركات الوطنية وتأسيس الجمعيات والنوادي الأدبية والمنابر الأخرى. وممن برزوا في هذا المجال في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين عبد الله النديم وأديب إسحاق ومصطفى كامل وأمين الريحاني ومي زيادة. ثم ازداد انتشارها في المناسبات القومية والحزبية والسياسية، والمؤتمرات المحلية والدولية. وقد أعان على انتشارها المذياع والتلفاز.

=وفضلاً عن الخطب الدينية في الجمع والأعياد، هناك من أشكال الخطبة: المحاضرة التي سبق ذكر أنها تقارب المقالة، فهي في واقع الأمر تجمع بين شكلي هذين الفنين من فنون النثر. وهناك خطب المناسبات المختلفة والأحاديث الإذاعية والمتلفزة، كما أن للندوات مدخلاً في هذا الباب.

والخطابة بمدلولها الأصلي أصبحت في هذه الأيام مقصورة على السياسة إذ يوجه السياسيون خطبهم إلى الشعب في كل قطر في مناسبات معينة ويتم نقلها للناس الذين لم يحضروا وقائع المناسبة عبر الأجهزة المسموعة والمرئية. ويكاد الجانب الأدبي يختفي من هذه الخطب إذ ينصب هم الخطيب الذي غالباً ما يكون رجل دولة على شرح الأوضاع السياسية المحلية والعربية والدولية للناس في المجتمع المحلي وفي مختلف الأقطار العربية الأخرى.

وقد برز في العصر الحديث طائفة من الخطباء المفوهين جلهم من الزعماء السياسيين والقادة منهم عبد الرحمن الشهبندر والرئيس جمال عبد الناصر والرئيس حافظ الأسد.

القصة والرواية
عرفت القصة على نحو ما في الأدب العربي القديم على غرار ما عرفته مختلف الشعوب من حكاية وخرافة وأسطورة. وفي القرآن الكريم قصص كثيرة عن الأنبياء والمرسلين والأقوام البائدة. وأولى بوادر القص النثري الفني كانت في ما نقله إلى العربية وأضافه ابن المقفع (ت142هـ) في كتاب «كليلة ودمنة» ثم جاء الجاحظ (ت255هـ) فألف كتاب «البخلاء» في شكل نوادر فكهة عن البخل وأصحابه من أهل مرو خصوصاً.

وابتكر بديع الزمان الهمذاني (ت398هـ) شكلاً من أشكال القصة القصيرة سماه المقامات، وبطل مجموعة المقامات واحد، ثم تابعه الحريري (516هـ) وآخرون لم يحظوا بشهرة الهمذاني والحريري.

وتكاد السيرة الشعبية أن تكون خليطاً من الروايات والملاحم التي تداخلها الخرافة كما يداخلها الشعر الذي يفتقر إلى الفنية الجيدة.

على أن أهم كتاب عربي قديم في هذا الباب هو «ألف ليلة وليلة» وهو مجموع من التراث ذي القص (الحكائي) للشعوب غير العربية ممن دخل منهم في الإسلام أو احتك المسلمون بهم كالهنود، وقد عرب هذا المجموع وأضيفت إليه حكايا جديدة حتى صار نسيجه العام عربياً إسلامياً خالصاً. وترك هذا الكتاب أثراً قوياً في الآداب الأوربية حتى إن رجلاً كفولتير يصرح بأنه لم يكتب القصة إلا بعد أن قرأ «ألف ليلة وليلة» أربع عشرة مرة.

على أن القصة بمفهومها الفني الحديث إنما ظهرت في الأدب العربي في القرن التاسع عشر، وبعد الاطلاع على الآداب الغربية.

وقد ابتدأ الكتاب العرب بترجمة القصص القصيرة عن تلك الآداب ونشرها في المجلات كالجنان والضياء والمقتطف والهلال، وكان المترجمون يتصرفون بالقصة لتتلاءم مع العقلية العربية. وهذا أيضاً ما فعله المنفلوطي في ترجمته لرواية «ماجدولين» للكاتب الفرنسي ألفونس كار A. Karr، وحافظ إبراهيم [ر] في «البؤساء» لفكتور هوغو V. Hugo. وقد قام نفر من الكتاب في مصر وبلاد الشام بتأليف الرواية في القرن التاسع عشر إلى مطالع القرن العشرين مثل ناصيف اليازجي وسليم البستاني وفرح أنطون وجرجي زيدان ومحمد المويلحي. وإذا أفردنا من هؤلاء جرجي زيدان الذي كتب مجموعة كبيرة من الروايات عن تاريخ الإسلام فإن محاولات الآخرين كانت غير مكتملة فنياً وتميل إلى الوعظ والتعليم الأخلاقي كما تأثرت بأساليب الحكاية والمحسنات البديعية في المقامات. ويجمع مؤرخو الأدب العربي على أن أولى الروايات المكتملة فنياً كتبها محمد حسين هيكل تحت عنوان «زينب» وكان ذلك نحو عام 1920.

وإذا كان الغربيون يقسمون فن القص عندهم إلى الأقصوصة le conte والقصة la nouvelle والرواية le roman فإن فن القص العربي الحديث يمكن تقسيمه إلى «قصة قصيرة» و«رواية». تعتمد القصة القصيرة على التقاط الكاتب للحظة من الحياة يعنى فيها بتحليل الحدث أو الشخصية أو البيئة أو مجموع هذه العناصر معاً ليصل إلى هدف دلالي أعلى، ويكون أسلوبه في ذلك على نحو مركز ودقيق. أما الرواية - وهي هنا تضم القصة الطويلة إليها - فتهتم بإقامة بنيان فني واسع تشغل حيزاً واسعاً من الزمان والمكان وتدور حول شخصية واحدة أو شخصيات كثيرة وتتشابك فيها الأحداث والعلاقات بعضها ببعض من جهة، وبعضها أو كلها مع معطيات الزمان والمكان أي البيئة الفنية من جهة أخرى. والكاتب هنا يتعمق في تحليل ما يدور في نفوس أبطال روايته وفي ربط الأحداث بتواريخ أو توقعات مستقبلية بوساطة تقنيات تختلف باختلاف كل كاتب عن الآخر وكل رواية عن الأخرى، ولهدف تقديم روايات متراكبة المستويات للبشر والحياة والعالم عبر سياق تخييلي ينطوي على جملة من الإيحاءات الدلالية.

ويمكن القول إنه منذ عشرينات القرن العشرين بدأ الازدهار في القصة والرواية العربيتين.

ففي مصر اشتهر من كتاب القصة القصيرة الأخوان محمود ومحمد تيمور، ويحيى حقي، ثم أمين يوسف غراب، ويوسف الشاروني، وكثير غيرهم، على أن أكثر كتاب القصة القصيرة شهرة في مصر - وربما في مختلف البلدان العربية - هو يوسف إدريس.

ومن سورية برز عبد السلام العجيلي وزكريا تامر وخليل الهنداوي وجورج سالم وحيدر حيدر ووليد إخلاصي وغادة السمان وغيرهم كثير ممن كتبوا في السبعينات وما بعدها من هذا القرن. وتشهد القصة اليوم في سورية ومصر ازدهاراً ملحوظاً كما تشهد مثل ذلك الازدهار في كثير من الأقطار العربية.

ومن لبنان اشتهر كتاب القصة القصيرة توفيق يوسف عواد الذي يعدّ رائداً لهذا الفن في كل بلاد الشام كما كتب القصة سهيل إدريس وزوجه عائدة مطرجي إدريس وكتبها كذلك كرم ملحم كرم ومارون عبود وسواهم.

وفي الأردن كان أول من كتب القصة القصيرة محمد صبحي أبو غنيمة في مجموعته «أغاني الليل» وهي مجموعة قصص اجتماعية ذات طابع وعظي أخلاقي تضم أيضاً خواطر متقدمة عن فن الأدب قياساً إلى ما كان قد تم إنجازه أدبياً في الإمارة الأردنية آنذاك. ويعد عيسى الناعوري أكثر كتاب القصة شهرة في الأردن. على أنه قد سبقته أسماء معروفة في كتابة هذا الفن أبرزهم سيف الدين الإيراني وأمين فارس ملحس ومحمد أديب العاصري. كما أن أسماء جديدة مهمة قد جاءت بعده ومن أهم هؤلاء فخري قعوار ومحمود الريماوي وبدر عبد الحق.

وظهرت القصة الحديثة في ليبية على يد خالد زغبية في مجموعته «السور الكبير» عام 1964 وهناك أسماء أخرى مثل كامل حسن المقهور ومصطفى المصراني وزعيمة البارودي.

وفي تونس أسماء غير قليلة في إطار حركة ثقافية ناشطة. ومن هذه الأسماء التي تكتب القصة القصيرة الميداني بن صلاح وحسن نصر ومحمد صالح الجابري وسمير العيادي وغيرهم.

أما الجزائر فقد ازدهر فيها ما سمي أدب المعركة قبل الاستقلال. وكانت مجموعة مالك حداد «البؤس في خطر» 1956 هي أولى المجموعات القصصية المعبرة عن ذلك الأدب. وهناك أسماء أخرى في تلك المرحلة كتبت القصة القصيرة مثل مفدي زكريا وجان سيناك وحسين بوزاهر وجمال عمراني. وبعد الاستقلال شهد فن القصة القصيرة ازدهاراً واسعاً وبرزت أسماء كثيرة مثل رضا حوحو وعبد المجيد شافعي وأحمد عاشور وزهرة وينسي.. وهؤلاء كتبوا بالعربية خلافاً لسابقيهم ممن كتبوا بالفرنسية قصص مرحلة «أدب المعركة» وثمة أسماء جديدة كثيرة تشير إلى الاهتمام الواسع للأجيال الجديدة من كتّاب الجزائر بفن القصة القصيرة.

وفي المغرب، كما في الجزائر وتونس، كتب الأدباء القصة القصيرة بالفرنسية أولاً ثم بالعربية.

ويرى بعض الباحثين أن هذا النوع من الأدب يتبع الأمة التي كتب بلغتها بصرف النظر عن الجنس.

وشهدت القصة في السودان ولادتها على يد عثمان النور، وقدم جمال عبد المالك مجموعته «الحصان الأسود» ويوسف العطا مجموعته «نزرع النخيل». وكتب الروائي السوداني المعروف الطيب صالح عدداً من القصص القصيرة جداً ثم توقف عن ذلك.

وفي شبه الجزيرة العربية بدأ فن القصة الناضج على يدي أحمد السباعي (1905-1983). وفي الربع الأخير من القرن العشرين شهدت كتابة القصة ازدهاراً جيداً ففي اليمن مهد محمد عبد المولى (1940-1973) للقصة الواقعية، ويصور زيد مطيع دماج (1943-...) الزمان والمكان اليمنيين قبل الثورة وبعدها. أما القاص الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل فيعتمد تكنيك القصة الحداثية ليصور وحدة الإنسان وسط عالم معاد أو لا مبال. مستخدماً تيار الوعي أساساً من لمحات وصفية سريعة أشبه بإشارات ضوئية. وبعد هؤلاء الرواد لفن القصة في شبه الجزيرة يأتي رعيل جديد يبرز من بينهم سليمان الشطي وليلى العثمان من الكويت، ومحمد عبد الملك، وأمين صالح من البحرين، ومحمد علوان وحسين علي حسين وسباعي عثمان من السعودية، وسعيد العولقي وميفع عبد الرحمن من اليمن، ومحمد المر من إمارة دبي وقد أصدر سبع مجموعات قصصية حتى اليوم بلغت أعداد قصصها زهاء المئة.

وفي العراق أسماء مهمة في هذا الفن مثل محمود السيد أحمد وعبد المجيد لطفي وأنور شاؤول وعبد الرحمن الربيعي.. إضافة إلى أسماء كثيرة من الأجيال الجديدة.

وقد تناولت القصة في الوطن العربي مجموع المشكلات المحلية والشخصية والقومية بالمعالجة، وفق أساليب مختلفة، وبما ينسجم مع المعاناة التي يحسها الكاتب تبعاً لظروف هذا القطر أو ذاك، إذ تطرح المسائل والمشكلات الاجتماعية من منظوراتها المختلفة، وتعالج مطالب الحرية والديمقراطية، وقضايا تأثير الفواعل العالمية في الوضع الوطني الخاص والقومي العام وانعكاسات ذلك كله على شخصية الإنسان العربي من جوانبها المختلفة.

هذا في ما يخص القصة القصيرة. أما الرواية التي اكتملت فنياً على يد محمد حسين هيكل من مصر حسبما ذكر قبلاً فإن أكثر كتابها شهرة هو نجيب محفوظ. وقد كتبها في مصر أيضاً كل من توفيق الحكيم «يوميات نائب في الأرياف» وطه حسين «دعاء الكروان» و«الأيام»، كما لمع من أسماء كتابها أيضاً كل من يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله وعبد الرحمن الشرقاوي... ثم جمال الغيطاني ومحمد يوسف القعيد وأحمد محمد عطية وإدوار الخراط وغيرهم.

في لبنان كتب جبران خليل جبران رواية «الأجنحة المتكسرة» كما كتب ميخائيل نعيمة عدداً من الروايات التي يغلب عليها الطابع الفلسفي، وهذان كتبا أعمالهما الروائية في المهجر الشمالي. ومن مشاهير كتاب الرواية في لبنان كرم ملحم كرم وتوفيق يوسف عواد الذي كان أبرع كتابها وخصوصاً في روايته «طواحين بيروت» وكتبها أيضاً سهيل إدريس، ومارون عبود «فارس آغا» كما كتب إلياس خوري «الجبل الصغير» وكتب إلياس الديري «عودة الذئب إلى العرتوق».

وفي سورية كان شكيب الجابري رائد كتابة الرواية المكتملة فنياً حين أصدر روايته «قوس قزح» في أربعينيات القرن العشرين ومن أبرز الروائيين في سورية حنا مينة الذي كتب عدداً كبيراً من الروايات من أهمها «الياطر» و«بقايا صور» و«المستنقع» و«الشراع والعاصفة»... وكتبت وداد سكاكيني «المانوليا في دمشق»، كما كتب فارس زرزور روايات كثيرة بعضها أقرب إلى التوثيقي مثل «حسن جبل» و«آن له أن ينصاع». ومن كتاب الرواية الذين برزت أسماؤهم في سورية: صدقي إسماعيل في «العصاة» وغيرها، وأديب نحوي في «عرس فلسطيني» و«تاج اللؤلؤ» و«آخر من شبه لهم»... ووليد إخلاصي في عدد غير قليل من الروايات مثل «باب الجمر» و«دار المتعة» و«ملحمة القتل الصغرى».. وألفة أدلبي وحيدر حيدر في «الزمن الموحش» و«وليمة لأعشاب البحر» وخيري الذهبي في «ملكوت البسطاء» و«ليال عربية» و«حسيبة» و«فياض»... وهاني الراهب في «ألف ليلة وليلتان» و«الوباء» و«بلد واحد هو العالم».. وأحمد يوسف داود في «الخيول» و«الأوباش» و«فردوس الجنون» وناديا خوست في «حب في بلاد الشام»، ونبيل سليمان في «ثلج الصيف» و«جرماتي» و«مدارات الشرق»... وعبد الكريم ناصيف في «الحلقة المفرغة» و«تشريقة آل المر».. إضافة إلى أسماء كثيرة أخرى.

وفي العراق برزت أسماء مثل محمود السيد وأحمد عبد المجيد لطفي وعبد الرحمن الربيعي. واشتهر اسم فاضل العزاوي في «القلعة الخامسة» وسواها. ومن الأسماء الجديدة عادل عبد الجبار في «عرزال حمد السالم» وناجي التكريتي في «مزمار نوار» ...إضافة إلى أعداد من الكتاب الآخرين.

وأشهر كتاب الرواية في الأردن غالب هلسا الذي كتب «الخماسين» و«الضحك» و«سلطانة» وغيرها. وهناك أسماء جديدة معروفة مثل مؤنس الرزاز وسالم النحاس وجمال ناجي وسواهم. وأهم كتاب الرواية في فلسطين غسان كنفاني ومن أعماله «رجال تحت الشمس» و«عائد إلى حيفا».. ثم جبرا إبراهيم جبرا الذي كتب أعمالاً روائية عدة من أشهرها «صيادون في شارع ضيق» و«السفينة» و«البحث عن وليد مسعود»، ثم إميل حبيبي الذي كتب «الوقائع الغريبة في اختفاء أبي النحس المتشائل» و«لكع ابن لكع» وهي أهجية تجمع بين ملامح الرواية وملامح المسرحية .

ومؤخراً نضج فن الرواية في ليبية على يد أحمد إبراهيم الفقيه الذي كتب ثلاثية نالت جائزة معرض الكتاب في بيروت عام 1992.

أما في أقطار المغرب العربي فإن كتابة الرواية قد أجبرت - شأنها شأن القصة القصيرةـ على أن يكون بعضها بالفرنسية وبعضها الآخر بالعربية بحكم ما فرضه المستعمر الفرنسي من ثنائية اللغة على تلك الأقطار. وهناك رواية ما قبل الاستقلال في هذه الأقطار وهي عموماً تفتقر إلى هذا القدر أو ذاك من النضج الفني، ورواية ما بعد الاستقلال التي تزدهر وتبلغ حداً جيداً من ذلك النضج.

ففي المغرب كتب عبد المجيد بن جلون الرواية منذ الحرب العالمية الثانية، وكذلك فعل عبد الكريم غلاب. وطبيعي أن ابتداء الرواية آنذاك كان يعكس صور الصراع من أجل الحرية والاستقلال. وفي الستينات والسبعينات يكثر كتاب الرواية المكتملة فنياً، والتي تتناول هموم الناس وقضاياهم الاجتماعية والمعاشية ومشاكلهم الإنسانية المختلفة. ومن ذلك أعمال مثل «أمطار الرحمة» لعبد الرحمن المريني، و«غداً تتبدل الأرض» لفاطمة الراوي، و«دفنا الماضي» لعبد الكريم غلاب، و«الطيبون» لربيع مبارك، و«الغربة» لعبد الله العروي و«حاجز ثلج» لسعيد علوش، و«أرصفة وجدران» لمحمد زفزاف، و«زمن بين الولادة والحلم» لأحمد المديني، إلى غير ذلك من أسماء وأعمال. وفي الجزائر يبرز عدد من الكتاب الذين كتبوا الرواية بالعربية واهتموا بالقضايا المعاصرة والمشكلات والمصائب التي اعترضت المجتمع والإنسان العربي هناك بعد الاستقلال. ومن هؤلاء عبد الحميد بن هدوقة وواسيني الأعرج.. لكن أكثر هذه الأسماء شهرة وعطاء روائياً هو الطاهر وطار الذي يعد واحداً من كبار كتاب الرواية الواقعية العربية، ومن أشهر أعماله «الحب والموت في الزمن الحراشي» و«عرس بغل» و«الحوت والقصر» و«تجربة في العشق».

أما في تونس فقد تزعم البشير خريف تيار الواقعية في الرواية، وتابعه محمد العروسي كما في روايته «النضوج المر» في حين زاوج رشيد حمزاوي بين الجمالي والاجتماعي في «مات بودوا» ورسم محمد صالح الجابري لوحات تاريخية لصراع الطبقات الاجتماعية في رواية «يوم في زمرا» ورواية «البحر يلفظ فضلاته».

أما الرواية المكتوبة بالفرنسية في أقطار المغرب العربي، فقد توازت مع تلك المكتوبة بالعربية تحت تأثير الشروط الخاصة بأوضاع تلك الأقطار. ولم تبرز هذه الرواية في المملكة المغربية والجزائر بروزاً حقيقياً من الوجهة الفنية إلا في سنوات الخمسينات من القرن العشرين.

والجدير بالملاحظة أن الرواية المكتوبة بالفرنسية في أقطار المغرب العربي ليست الفرنسية فيها سوى وعاء لمحتوى عربي السمات كلياً، مع ما هو معروف من أن اللغة العربية هي «حامل ثقافي» أساسي. وربما مر وقت غير قصير قبل أن يتحرر الأدب في تلك الأقطار من الثنائية اللغوية بسبب ما سبق أن أشير إليه من شروط خاصة تتعلق بالاستعمار الطويل وآثاره في عرب تلك الأقطار.

أما في شبه الجزيرة العربية فإن الرواية لا تزال ضعيفة جداً هذا إذا استثني الكاتب عبد الرحمن منيف السعودي الذي لم يعش في السعودية بل تنقل بين الشام ومصر، وأصبح واحداً من مشاهير كتاب الرواية العربية. ومن أعماله «الأشجار واغتيال مرزوق» و«شرق المتوسط» وخماسيته الكبيرة «مدن الملح» التي يؤرخ فيها - فنياً - لشبه الجزيرة في العصر الحديث.

وهناك كاتب جديد من البحرين هو عبد الله خليفة وقد أصدر عدة أعمال منها «امرأة» في أوائل التسعينات ورواياته ناضجة فنياً وشيقة ومعبرة عن واقع بيئته ومشكلاتها.

إن ما تقدم ذكره حتى الآن من روايات عربية قد اهتم بالرواية التي تتناول القضايا الاجتماعية والنفسية، والمشكلات الاقتصادية أو السياسية والمسائل العاطفية وغيرها مما يشغل عرب هذا القرن من مشاغل مختلفة. على أن هناك نمطاً من الرواية لم يعرض له هو «الرواية التاريخية» ومن أعلامها جرجي زيدان الذي كتب سلسلة كبيرة من الروايات عن تاريخ الإسلام ومن هذه الروايات: «فتاة غسان» و«أرمانوسة» و«عذراء قريش» و«شجرة الدر» وغيرها. ومنهم معروف الأرناؤوط الذي كتب في الاتجاه السابق ذكره. ومن رواياته «سيد قريش» و«فاطمة البتول» و«طارق بن زياد».. وهناك علي الطنطاوي في «قصص من التاريخ» وعبد الحميد جودة السحار في «بلال مؤذن الرسول» و«أميرة قرطبة» و«سعد بن أبي وقاص»، كما كتب محمد فريد أبو حديد روايات عن «عنترة» وغيرها.

ولقد ركز بعض كتاب الرواية على تنسيق الأحداث وعرض جزئياتها وتنميتها وتعقيدها وإدخال عنصر التشويق فيها، كما ركز بعضهم على تصوير الشخصية المحلية أو الإنسانية ورسم أبعادها الجسمية والاجتماعية والنفسية. وتطورت كل من القصة والرواية في الأدب العربي الحديث من الإبداعية إلى الواقعية فالنفسية، ومن السرد إلى البناء الفني المتكامل. وبرزت في القصص مشكلات اللغة في السرد والحوار، أتكون عامية أم فصحى؟.. على أن معظم القصص والروايات الناجحة تطورت لغتها ولانت فأضحى حوارها فصيحاً مبسطاً، يهتم الكاتب فيه بما يجب أن يؤديه من رسم الشخصية، وكشف أبعاد الصراع،وتطوير الأحداث وتصوير البيئة في آن واحد.

المسرحية
ارتقى الأدب المسرحي العربي منذ أوائل القرن العشرين ارتقاءً نوعياً عما كان عليه في القرن التاسع عشر فقد مر بمرحلة الترجمة عن الأدب الغربي، ثم مرحلة كتابة الهواة الذين كانوا يمثلون ما يكتبونه في الوقت ذاته. وقد تم الارتقاء المذكور على أيدي كتاب كثيرين من مصر وبلاد الشام بصورة أساسية.

ويعد توفيق الحكيم أكبر المسرحيين العرب شهرة وغزارة وتنوع إنتاج. فقد فاق غيره في تقنيات هذا الفن لاسيما الحوار. وتنوعت الاتجاهات لديه فكتب المسرح الاجتماعي كما في مجموعتيه «مسرح المجتمع» و«المسرح المنوع» كما كتب في المسرح الذهني مثل «أهل الكهف» و«شهرزاد» و«بغماليون» و«الملك أوديب» وكتب مسرح اللامعقول في مسرحية «يا طالع الشجرة» واستلهم بعضاً من التراث العربي مثل «هارون الرشيد» و«سليمان الحكيم» وجرب مزاوجة العامية بالفصحى كما في مسرحية «الصفقة».

ومن كتاب المسرح الأوائل في مصر محمود تيمور الذي استوحى بعض مسرحياته من التاريخ العربي مثل «صقر قريش» و«اليوم خمر» واستوحى بعضها الآخر من المجتمع مثل «كذب في كذب» و«أبو شوشة». وامتاز علي أحمد باكثير [ر] بمسرحياته التاريخية كما في «أبو دلامة» و«سلامة القس» وكتب بعض المسرحيات عن مصر القديمة مثل «أوزوريس» كما كتب المسرحيات الفكاهية مثل «قطط وفئران».

ومن أعلام المسرح المصري في النصف الثاني من القرن العشرين سعد الدين وهبة ومن مسرحياته «بير السلم» وألفريد فرج ومن مسرحياته «علي جناح التبريزي وتابعه قفة» ومحمود دياب ويوسف إدريس وعلي سالم وآخرون.

وأشهر كتاب المسرح في سورية سعد الله ونوس [ر] ومن مسرحياته «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» و«الفيل يا ملك الزمان» «والملك هو الملك» و«سهرة مع أبي خليل القباني» وغيرها. ومن الكتاب المشهورين في المسرح السوري علي عقلة عرسان ومن أعماله «السجين رقم 95» و«رضا قيصر». ومنهم مصطفى الحلاج، ومن أعماله «القتل والندم» و«الغضب»، وممدوح عدوان ومن أعماله «ليل العبيد» و«كيف تركت السيف»، وأحمد يوسف داود ومن أعماله «الخطا التي تنحدر» و«الغراب»، وفرحان بلبل ومن أعماله «الممثلون يتراشقون الحجارة» و«العشاق لا يفشلون»، ورياض عصمت ومن أعماله «لعبة الحب والثورة» و«الحداد يليق بأنتيغون». ومنهم الأب إلياس زحلاوي ومن أعماله «المدينة المصلوبة» و«الطريق إلى كوجو»، وعبد الفتاح قلعة جي وله «ثلاث صرخات» و«السيد» وغيرها.

وأشهر كتاب المسرح في العراق هو يوسف العاني ومن أعماله «أنا أمك يا شاكر» و»المفتاح والخزانة» ومنهم نور الدين فارس وعادل كاظم وآخرون.

ومن لبنان اشتهر ميخائيل نعيمة في كتابة المسرح بمسرحيته الوحيدة «الآباء والبنون» وقد كتبها في المهجر. ومن الأجيال الجديدة روجيه عساف وآخرون. وقد ازدهر المسرح الغنائي في لبنان على حساب الأدب المسرحي العادي وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. ومن كتاب المسرح في ليبية عبد الله القويري، ومن أعماله «الجانب الوضيء» و«الصوت والصدى»... ومنهم المهدي أبو قرين وله «ذريعة الشياطين» أما أكثرهم نشاطاً فهو عبد الكريم خليفة الدناع وله «دوائر الرفض والسقوط» و«سعدون» و«المحنة» وغيرها.

ومن كتاب المسرحية في تونس: خليفة السطنبولي وقد كتب بعض أعماله بالفصحى وبعضها الآخر بالعامية، ومنها «المعز لدين الله الصنهاجي» و«سقوط غرناطة» و«أنا الجاني». ومنهم عز الدين المدني وله «ديوان الزنج» و«رحلة الحلاج» و«الغفران» وغيرها.

وفي الجزائر اشتهر كاتب ياسين وقد ألف بالفرنسية وبالعربية ومن أعماله «محمد يأخذ حقيبتك» و«حرب الألفي سنة». وكتب هنري كريا «الزلزال» كما كتب محمد بوضيا «ولادات». ومن الأسماء التي برزت بعد الاستقلال: ولد عبد الرحمن بن كاكي وعبد القادر علولة وسليمان بن عيسى وآخرون.

وفي المغرب برز اسم أحمد الطيب العلج. ومن أعماله «الوزير والفنان» و«بين نارين» وغيرهما. وهناك أسماء أخرى معروفة مثل عبد القادر البدوي، مصطفى القومي، وعبد الهادي بوزوبع، والطيب الصديقي، وعبد الكريم برشيد وغيرهم.

وفي شبه الجزيرة العربية تأصلت الحركة المسرحية في الكويت بفضل إنشاء معهد الفنون المسرحية الذي كان أول عميد له أحد رواد المسرح العربي وهو زكي طليمات. وقد وجد المسرح في الكويت كاتباً موهوباً هو صقر الرشود 1944-1978 الذي استطاع على الرغم من رحيله المبكر، أن يترك للمسرح العربي تراثاً من الأعمال الجيدة مثل مسرحية «الطين» وسواها. وقد ترجمت المسرحية المذكورة إلى الإنكليزية ضمن مجموعة مختارة من أدب شبه الجزيرة العربية، صدرت عن مؤسسة بروتا برعاية جامعة الملك سعود. ومن الشارقة في الإمارات العربية المتحدة برز اسم عبد الرحمن المناعي الذي كتب مسرحية «هالشكل يا زعفران» و«مقامات ابن بحر» و«يا ليل يا ليل».

وفي كتابة المسرحية - كما في القصة والرواية تبرز - مشكلة ذات أهمية بالغة تتعلق بلغة الحوار: أتكون فصحى أم عامية؟ أم يجمع فيها بين الاثنتين؟!

لقد ربط بعض الكتاب والنقاد الحوار بالواقع وقالوا بوجوب أن يكون مشاكلاً له، مناسباً للشخصية التي تنطق به. لذلك حاول توفيق الحكيم - كما سبقت الإشارة - أن يزاوج بين الفصحى والعامية في مسرحية الصفقة مجرباً أن يصل إلى «لغة موحدة» تقرأ بالفصحى وبالعامية في آن واحد، لكن التجربة أخفقت إذ استحالت لغة تلك المسرحية عامية خالصة في أثناء التمثيل. وتردد محمود تيمور في مسرحياته بين استعمال الفصحى والعامية فكتب بعضاً بهذه وبعضاً بتلك، ثم عاد فنقل مسرحيته «أبو علي عامل أرتيست» من العامية إلى الفصحى وسماها «أبو علي الفنان». وجرب ميخائيل نعيمة أن ينطق شخصيات مسرحية «الآباء والبنون»: المتعلمين بالفصحى، والأميين بالعامية فوقع في ازدواجية أنكرها هو ذاته إذ عاد فطبع مسرحيته كلها بالفصحى.

والواقع أن المشكلة ما تزال قائمة. فالمسرح التجاري في سورية يستعمل العامية المبتذلة، ومسرح ما بعد الحرب في لبنان يستعمل العامية على الرغم من أهمية الموضوعات المطروحة في كثير من الأعمال الجديدة. والمسرح الفكاهي في مصر يستخدم العامية المصرية كما في المسرحيتين المعروفتين «مدرسة المشاغبين» و«شاهد ما شافش حاجة». ولعل الحل يكمن في استخدام فصحى مبسطة يفهمها أبناء العروبة في مختلف أقطارهم لأن في ذلك حفاظاً على الروابط القومية وعلى اللغة العربية ذاتها.

السيرة
ظهرت السيرة la biographie بمفهومها الفني في الأدب العربي الحديث، سواء منها: الموضوعي سير الآخرين biographie أم السيرة الذاتية autobiographie. وتم ذلك بعد الاتصال بالأدب الغربي وإن كانت في الأدب العربي القديم مذكرات وسيراً غلب عليها الجانب التقريري مثل» «التعريف بابن خلدون» و«كتاب الاعتبار» لأسامة بن منقذ، و«المنقذ من الضلال» للغزالي، و«سيرة صلاح الدين» لابن شداد وغيرها.والسير هي غير تراجم الشخصيات التي كثرت وتعددت بعد الحرب العالمية الأولى في الأدب العربي الحديث مثل «تراجم شخصيات شرقية وغربية» لمحمد حسين هيكل، و«في المرآة» لعبد العزيز البشري [ر]، و«سلسلة العبقريات» لعباس محمود العقاد، و«الجاحظ» لشفيق جبري، و«صقر الجزيرة» لعبد الغفور العطار وسواها الكثير، فهذه وسط بين السيرة وما عرف قديماً في كتب التراجم مثل معجم الأدباء لياقوت الحموي وغيره من الكتب المشابهة. وهي في أسلوبها دراسة للشخصيات وعرض لوقائع حياتها، لا تصوير فني للنزعات والخلجات التي تعتمل في نفوسها، وتمثل لها وإعادة لعرضها مع تتبع نموها وتطورها وتكاملها.

وأول سيرة فنية موضوعية في الأدب العربي الحديث هي سيرة «جبران خليل جبران» وقد نشرت عام 1934 وقص فيها ميخائيل نعيمة سيرة حياة صديقه في مراحل ثلاث: «الشفق - الغسق - الفجر» واستوفى تلك الحياة محللاً ناقداً ومراعياً تقنيات السيرة الفنية. وقد مضى على هذه السيرة زمن طويل من دون أن تكتب سيرة أخرى مماثلة لها. ولعل أقرب ما يكون إليها: «حياة الرافعي» لسعيد العريان، ثم «منصور الأندلس» لعلي أدهم.

وقد جرب العقاد أن يكتب سيرة ابن الرومي مستخدماً معطيات علم النفس والتحليل النفسي في ذلك.

أما ما يتصل بالسيرة الذاتية فمنها ما يقارب السيرة الفنية، وتجلى في تناول جوانب من حياة بعض الكتاب الذين تحدثوا عن تجاربهم في الحياة كما فعل أحمد فارس الشدياق في كتابه «الساق على الساق» وتوفيق الحكيم في «عصفور من الشرق» و«زهرة العمر»، وعباس العقاد في «سارة»، وإبراهيم عبد القادر المازني في «إبراهيم الكاتب». وامتازت هذه كلها بأسلوب القص. لكن بعض السير الأخرى كتبت بأسلوب تقريري فكانت أقرب إلى التراجم كما في «حياتي» لأحمد أمين و«أنا» للعقاد.

وكتب أيضاً ما يشبه السيرة الذاتية بقالب مذكرات أو يوميات، كما في مذكرات كل من محمد كرد علي، ومحمد حسين هيكل، وخليل السكاكيني، و«مذكرات سجين مكافح» لإبراهيم الكتاني المغربي.

ولعل «الأيام» لطه حسين التي صدرت في القاهرة منذ عام 1927 هي أول سيرة ذاتية فنية، مع أنها يمكن أن تدرج في إطار الرواية. وقد قص الكاتب فيها - مستخدماً ضمير الغائب - نشأته في صعيد مصر وتدرجه في تحصيل العلم: من كتاب الريف إلى الأزهر فالجامعة في القاهرة. ثم تابع طه حسين قص المراحل التي تلت ذلك في باريس وبعد عودته منها في جملة مقالات نشرت من بعد في كتاب حمل اسم «مذكرات طه حسين».

ومن السير الذاتية التي قاربت أن تكون فنية «سبعون» لميخائيل نعيمة، وتقع في ثلاثة أجزاء قص فيها سيرته الذاتية في ثلاث مراحلة ضمت: مرحلة الطفولة والصبا حتى نهاية دراسته في روسية - مرحلة الشباب والهجرة إلى أمريكة حتى عودته إلى لبنان - مرحلة الكهولة والشيخوخة بعد العودة حتى بلغ السبعين. ونعيمة، وإن أغفل كثير من وقائع حياته قبل السبعين، امتاز هنا بأسلوبه التصويري، وصدقه في التعبير. ومع هذا فقد جاءت سيرته فصولاً متتابعة تفتقر إلى الترابط في كثير من أجزائها، كما ينقصها بعض تقنيات السيرة الفنية المتوافرة في ما كتبه عن جبران.

النقد الأدبي
حاول بعض رجال الأدب منذ أواخر القرن التاسع عشر تجديد النقد الأدبي وتطبيق القواعد التي كانت سائدة في العصر العباسي على الشعر خاصة. وأول هؤلاء هو حسين المرصفي الذي ألف كتاب «الوسيلة الأدبية» - طبع الجزء الأول منه عام 1289هـ والثاني عام 1292هـ - وشرح فيه بعض النصوص الشعرية القديمة لطلابه شرحاً لغوياً واتخذ من النحو والبلاغة وسيلة لإيضاح الصور والإرشاد إلى أسرار بلاغة النص موازناً بينه وبين بعض قصائد البارودي التي عارض فيها الشعراء القدامى، معتمداً في ذلك كله على ذوقه الفني المرهف. وهكذا مهد السبيل لمن جاء بعده لتجديد النقد.

وتلا كتاب المرصفي هذا كتابان نقديان الأول هو «علم الأدب عند الإفرنج والعرب» طبع عام 1904 لمحمد روحي الخالدي، والثاني هو «منهل الورّاد في علم الانتقاد» لقسطاكي الحمصي وطبع عام 1907. وكان لهذين الكتابين أثر مهم في التمهيد للحركة النقدية، وإن اقتصرا على إطلاع الأدباء العرب على بعض المذاهب والقضايا الأدبية الغربية.

ثم ظهرت كتب نقدية كان أسبقها كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين اعتمد فيه نظرية ديكارت Descartes «الشك حتى يتضح اليقين» فلقي معارضة شديدة اضطرته إلى حذف بعض فقراته وتعديله، وقد نشر تحت عنوان «في الأدب الجاهلي» عام 1926. وقد شك طه حسين في ما روي عن الجاهليين وشعرهم. وبعد البحث والمناقشة توصل إلى نتيجة مفادها أن معظم الشعر الجاهلي منتحل وموضوع بعد الإسلام.

وقد رد عليه كثير من النقاد وخاصة مصطفى صادق الرافعي في كتابه «تحت راية القرآن، أو المعركة بين القديم والجديد، ونشره عام 1926. ومن كتب طه حسين النقدية «حديث الأربعاء» و«من حديث الشعر والنثر» و«فصول الأدب والنقد» وغيرها.

وقد نشرت إلى جانب ذلك كتب ومقالات مترجمة عن النقد الغربي وقواعده وأصوله ومذاهبه، ومن أبرزها ما كتبه نجيب الحداد وغيره في الموازنة بين الشعر الغربي والشعر العربي في اللفظ والقافية والمعنى، وكان هذا كله دافعاً لبعض الشعراء للخروج على تقاليد الشعر القديم. وكذلك نشرت مقالات وكتب كثيرة بعد أن قرأ النقاد العرب ما قرؤوه بالفرنسية والإنكليزية وتأثروا به. وقد نشأ عن ذلك تيار النقد الاتباعي، أي الكلاسيكي الجديد، وخاصة في مفهومه للشعر الذي يجمع بين آراء الغربيين، ويتفق - في الوقت ذاته - مع رسالة الشعر وجوهره وحسبما هو معروف عند العرب.

وظهر كتاب «الديوان» لعباس العقاد والمازني،وكتاب «الغربال» لميخائيل نعيمة، وصدرا في سنة واحدة 1921 واتفقت وجهات النظر فيهما على ضرورة تجديد الأدب بالهدم ثم البناء، كما اتفقت على معظم القيم النقدية الجديدة، ولاسيما صدق التعبير عن حقيقة النفس، والدعوة إلى وحدة القصيدة، وإن اختلف نعيمة مع صاحبي «الديوان» في اللغة - وسيلة الأداء - لكن كلا الطرفين ينتميان في النهاية إلى المنهج التأثري الذاتي.

وفي الأربعينات نشطت الحركة النقدية فصدرت كتب كثيرة كان أبرزها كتاب «في الميزان الجديد» لمحمد مندور، استهدف فيه تصحيح مناهج النقد، واتبع ذلك بتفسير نصوص تطبيقية تناول فيها نقد بعض الكتب وهي «بغماليون» و«زهرة العمر» لتوفيق الحكيم، و«دعاء الكروان» لطه حسين، و«نداء المجهول» لمحمود تيمور، و«سوء تفاهم» لبشر فارس وديوان «أرواح وأشباح» لعلي محمود طه. وكذلك قام محمد مندور بنقد أدب المهجر وسماه «الأدب المهموس» وعرض لبعض مناهج النقد العربي القديم، ولدراسة أوزان الشعر الأوربي والشعر العربي وقد سمي منهجه في هذا الكتاب «المنهج الأيديولوجي» وهو يعنى فيه بقيمة الأدب الجمالية إلى جانب اهتمامه بالمضمون، ويوضح منهجه في تطبيقه على أبي العلاء المعري، المعرفة والنقد، وهو منهج ذوقي تأثري يقوم على نوعين من المعرفة: معرفة أثناء النقد وهي المعرفة الأدبية اللغوية، ومعرفة تسبق النقد وهي نوعان: معرفة بأصول النشر - فيما يتعلق بالمخطوطات، ومعرفة بأوزان الشعر.

والواقع أن الكتب الثلاثة السابقة، أي «الديوان» و«الغربال» و«في الميزان الجديد» تعد أبرز معالم النقد العربي الحديث في النصف الأول من القرن العشرين، ويتفق أصحابها في المنهج التأثري المعتمد على الذوق الشخصي، وترجع في أصولها إلى منابع الثقافة الغربية الإبداعية الرومانسية التي نهل منها هؤلاء وإن كان العقاد والمازني ونعيمة قد تأثروا بالثقافة الإنكليزية في حين تأثر مندور بالثقافة الفرنسية.

إلى جانب الكتب السابقة التي تناولت الشعر والنثر والمقاييس النقدية ظهر في مصر عام 1948 كتاب خاص بنقد الشعر هو «الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث» لمصطفى السحرتي عرض فيه لمذاهب النقد الفني والواقعي والفقهي، ولمقاييس النقد الفني للتجربة الشعرية، فتناول الصياغة، والأخيلة، والموسيقى، والأسلوب، والألفاظ، والوحدة الشعرية، والانفعالات، والفكر في الشعر... ثم تطرق إلى الشعر الرمزي، وتحدث عن بعض الكتب النقدية مثل «الديوان» للعقاد والمازني، و«على السفود» للرافعي و«حديث الأربعاء» لطه حسين و«في الميزان الجديد» لمندور، كما تعرض لبعض الشعراء المعاصرين في ضوء المذاهب الأدبية والنقدية والاتباعية والإبداعية والواقعية مستهدفاً نهوض الأدب المعاصر وإنصاف الموهوبين لا انتقاصهم، وشمولية النظرة إلى العمل الأدبي والعناية بالتيارات الجديدة مثل الرمزية symbolisme والسريالية surréalisme والواقعية réalisme.

أما سائر الكتب النقدية التي يصعب إحصاؤها فيمكن ردها إلى التأثر ببعض المناهج والاتجاهات السابقة وإن تنوعت ميادينها وآفاقها.

وقد دفعت حركة الشعر الجديد شعر التفعيلة إلى إنشاء نقد يسوغها ويتابع جديدها ويبين ما في صورها ولغتها من حداثة يعاد تأصيلها في ماضي الشعر العربي ومن أبرز الكتب التي ظهرت في مصر حول هذه الحركة كتاب محمد النويهي «قضية الشعر الجديد». وقد لقيت هذه الحركة متابعات واسعة في مختلف أقطار الوطن العربي.

ومن جهة أخرى فإن ازدهار الرواية أنشأ هو الآخر حركة نقدية حولها أخذت تتسع منذ الستينات. وكان للترجمة وللاطلاع الواسعين على المناهج النقدية الجديدة في الغرب في النصف الثاني من القرن العشرين آثار كبيرة في استخدام تلك المناهج واقعية اشتراكية - بنيوية - تفكيكية.. إلى آخره في نقد النتاج العربي الجديد فكثرت الكتب الموضوعة حول ذلك إذ طبقت المناهج المذكورة على هذا النتاج الجديد بنجاح أو إخفاق، كما وضعت الكتب التي تعرف بهذه المناهج مستنسخة إياها من مصادرها الأوربية بتعديل أو من دون تعديل.

وبالمقابل ظهرت حركة تحتفي بإحياء نظريات النقد العربي القديم ومناهجه وخصوصاً منهج الجرجاني، وكتبت في ذلك كتب تؤرخ لتلك المناهج وتقارن بينها وبين المناهج الغربية.

ومن أهم أسماء النقاد الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العشرين: لويس عوض وغالي شكري ومحمود أمين العالم ومحمد أحمد عطية من مصر،ومحمد برادة ومحمد بنيس من المغرب، وإحسان عباس من فلسطين، وناصر الدين الأسد من الأردن، ومحمد كامل الخطيب ومحي الدين صبحي وجمال باروت وغيرهم من سورية، وحسين مروة وغيره من لبنان.

ولا يخلو قطر عربي من نقاد متابعين - في الصحف والمجلات أو الكتب - لأغلب مايصدر من أعمال متنوعة على كثرتها، وتشكل نتاجات أساتذة الجامعات وأطروحات الماجستير والدكتوراه كتباً نقدية لا يمكن إغفالها كما لا يمكن حصرها وحصر أسماء أصحابها لكثرتهم وكثرة نتاجهم على أهميته.

على أن الحركة النقدية العربية إجمالاً لا تزال بعيدة عن استنباط مناهج جديدة تلائم ما للغة العربية وأساليبها التعبيرية من خصوصية، وما للثقافة العربية الموروثة من سمات تتجلى - ضرورة - في النتاج الجديد معبرة عن استمرار روحية هذه الثقافة وفعلها الحي في الأدب العربي المعاصر.

تطور النثر العربي الحديث وأساليبه: يتضح مما تقدم أن أنواعاً نثرية جديدة ظهرت في الأدب العربي الحديث لم تكن معروفة على هذا النحو من قبل، وهي: المقالة - القصة - الرواية - المسرحية - السيرة، وأن الكتاب تناولوا في هذه الفنون موضوعات جديدة اقتضاها العصر الحديث منها: الموضوعات الاجتماعية والسياسية والقومية خاصة. وأن أساليب الكتاب في كل منها ظل متسماً بالطابع الأدبي الصرف على الرغم من التأثر بأسلوب الصحافة من حيث المرونة والبعد عن التكلف والمحسنات البديعية كما كان شائعاً قبل القرن التاسع عشر.

وفي إطار الحديث عن النثر تذكر الأبحاث الفكرية التي تتناول قضايا التراث وإعادة قراءته وقضايا العصر العالمية والقومية والمحلية، إضافة إلى قضايا العلوم المعاصرة.. وما إلى ذلك.

وقد كان للاستعمار ثم للتبعية الاقتصادية في الوطن العربي آثار مهمة في دفع الكتاب جميعاً للإسهام بأعمالهم الأدبية والفكرية - في الدعوة إلى التحرر والوحدة القومية ومحاربة الظلم ودفع الاستبداد في المراحل المختلفة من القرنين التاسع عشر والعشرين.

لقد عالج الكتاب مشكلات مجتمعاتهم العربية وأمتهم على اختلافها وتنوعها ونبهوا إلى المفاسد العامة الناجمة عنها ودعوا إلى الإصلاح أوالثورة، كل بحسب اتجاهه ورأيه. وفي مقدمة المشكلات التي تطرق إليها الكتاب هنا: الفقر والجهل وتحرر المرأة الذي لقي عناية خاصة هدفت إلى إطلاق طاقات «نصف المجتمع» وزجها في المعركة القومية التحررية الحضارية.

وطبيعي أن تكون أساليبهم طيعة لينة يستطيع جميع المعلمين أن يتلقوا ما فيها بيسر ووضوح. وكانت الصحافة هي الميدان الأكثر رحابة لعرض المشكلات وإبداء الرأي فيها، وكان لذلك أهم الأثر في الليونة والتطويع المذكورين.

أما الأبحاث الفكرية على اختلافها فهي - ضرورة - موجهة لذوي الثقافة العالمية وللمهتمين أو المتخصصين. ولذلك فهي تلتزم حدوداً من أساليب التعبير لا يمكنها النزول دونها.

وفي الموضوعات الأدبية الصرف اتسعت تجارب الكتاب الإنسانية فتنوعت المضامين تبعاً لها. فإلى جانب الأغراض القديمة كثرت العناية بالوصف، وبوصف الطبيعة خاصة، والإعراب عن المشاعر النفسية المختلفة تجاهها من حزن وفرح وتشاؤم وتفاؤل مع مزج ذلك كله بوصف الطبيعة أحياناً كما يفعل الإبداعيون. وقد عني كثير من الأدباء بالتعبير عن موضوعات إنسانية وفلسفية عامة متأثرين بما اطلعوا عليه من ثقافات وآداب غربية، وبرز ذلك عند أدباء المهجر أكثر من سواهم.

ولئن كانت الموضوعات الاجتماعية والسياسية والقومية تقتضي العناية بالمعنى أكثر من الأسلوب فإن تلك الموضوعات الأدبية تمتاز بعنايتها بالأسلوب إلى جانب المعنى. فالألفاظ فيها أنيقة مختارة، والعبارات موشحة بالأخيلة والصور ومحلاة بالتوازن أحياناً أو ببعض السجعات العرضية، مع شيء من الاقتباس والتضمين أحياناً أخرى.

وإلى جانب ذلك برز عنصر اللغة العصرية الغنية بمفرداتها، وبمرونة استجابتها للصياغة والقوالب الفنية الجديدة التي اقتضاها تطور العصر ومستحدثات الحضارة. ودارت حول اللغة مناقشات نقدية كثيرة اختلفت فيها وجهات النظر بين الجديد والقديم، وتبعاً لهذا الاختلاف تنوعت طرائق تعبير الكتاب تنوعاً واسعاً حتى كاد يكون لكل كاتب «لغته» ومفرداته، ومن ثم أسلوبه الخاص المتميز به من غيره. وهكذا ارتقى النثر الأدبي العربي الجديد وأضحى عالمياً وترجم كثير منه إلى لغات العالم الحية المختلفة.

الشعر

فنونه وتطوره
ظل الشعر في أوائل القرن التاسع عشر مثلما كان عليه عند أكثر شعراء عصور الدول المتتابعة من صنعة وتكلف، وظلت أغراضه هي جملة الأغراض التقليدية من مديح وهجاء وغزل ورثاء ووصف إضافة إلى الإخوانيات. وظلت الشكلية اللفظية هي السائدة إضافة إلى ما عرف في «عصر الانحطاط» من كثرة الاقتباس والتضمين، أو التخميس والتشطير لقصائد معروفة.

وتبدأ بوادر نهضة الشعر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ثم تتسع في أوائل القرن العشرين.

وعرفت هذه المرحلة باسم «مرحلة الإحياء» حين أعيد للشعر العمودي إشراقه ورونقه، وللصياغة قوتها وإحكامها، وبعثت فيه الروح من جديد على أيدي بعض الشعراء كان في مقدمتهم محمود سامي البارودي الذي كان تجديده مرتبطاً بالأسس الشعرية القديمة.

وتلا البارودي نفر من الشعراء البناة، في مصر والشام والعراق خاصة، كان منهم: إسماعيل صبري وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم وخليل مطران، ومعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي، وتابع خطا هؤلاء نفر آخر من الشعراء البارزين أمثال: محمد البزم، وخليل مردم، وشفيق جبري، ومحمد سليمان الأحمد (بدوي الجبل)، وخير الدين الزركلي، وسواهم. وقد أعقبت مرحلة البناء هذه مرحلتان من التجديد تمتد الأولى مابين نهاية الحرب العالمية الأولى وأوائل الخمسينات، وتمتد الثانية منذ الخمسينات حتى اليوم. وسيرد التفصيل فيهما لاحقاً.

وظهرت في الشعر العربي في العصر الحديث بعض الفنون الشعرية التي لم تكن معروفة قديماً وهي:

الشعر المسرحي
نظم الشعراء الشعر المسرحي poésie dramatique بعد اطلاعهم على مسرحيات فرنسية وإنكليزية مثل مسرحيات شكسبير وموليير وكورني وراسين. ويكاد الباحثون يجمعون على أن أقدم مسرحية شعرية عربية هي «المروءة والوفاء» لخليل اليازجي، ظهرت عام 1876. وأشهر شعراء المسرحية وأولهم أحمد شوقي. وقد نظم مسرحية «علي بك الكبير» عام 1893 حين كان في باريس لكنه لم يرض عنها فلم ينشرها. ثم نظم مسرحية «دل ويتمان» عام 1899، وبعدها «ورقة الآس» التي نشرها في جريدة الأهرام عام 1904. ثم انقطع بعدها عن نظم المسرحيات حتى عام 1927 - عام منحه لقب أمير الشعراء - فنظم فصلاً من «مصرع كليوباترا» وأتمها عام 1929 وتابع بعدها نشر عدة مسرحيات حتى وفاته سنة 1932 هي:

«قمبيز» و«مجنون ليلى» و«علي بك الكبير» و«عنترة» و«الست هدى» وكلها مآس مستوحاة من التاريخ عموماً ما عدا الأخيرة، فهي ملهاة اجتماعية.

ويلي شوقي عزيز أباظة [ر] الذي نظم على غراره مسرحيات كثيرة منها «العباسة أخت الرشيد و»عبد الرحمن الناصر» و«شهريار» و«شجرة الدر» و«غروب الأندلس». وجرب علي أحمد باكثير أن ينظم بعض المسرحيات بالشعر المرسل - كما فعل شكسبير - مثل «أخناتون» و«نفرتيتي» ولكنها لم تلق نجاحاً فعدل عنها ونظم مسرحية «قصر الهودج» على طريقة شوقي وأباظة. وتابع هؤلاء عدنان مردم في سورية فنظم بين عامي 1967 و1986 بضع عشرة مسرحية كلها مأساوية، عدا «المغفل» و«القزم» فهما ملهاتان. وقد استوحى بعض مسرحياته أو بعض شخصياتها من التاريخ العربي القديم ومنها «الملكة زنوبيا» و«الحلاج» و«رابعة العدوية» و«مصرع غرناطة»، وبعضها الآخر من الأحداث القومية المعاصرة مثل «فلسطين الثائرة» و«دير ياسين». وربما كانت مسرحية «مأساة الحلاج» للشاعر صلاح عبد الصبور واحدة من أجمل المسرحيات المكتوبة شعراً وأرقاها وقد كتبها صاحبها بالشعر الحر.

ومما لا ريب فيه أن المسرحية الشعرية لم يعد لها مكان في العصر الحاضر لأن التمثيل عامة يحاول التعبير عن مشكلات الحياة العادية، أي محاكاة الواقع، والأمر الذي يقتضي أن تكون لغته وطريقة كتابته وأدائه مشاكلتين لتلك المشكلات الواقعية.

الشعر القصصي
كثر إقبال الشعراء على نظم الشعر القصصي poésie narrative في العصر الحديث، وتنوعت موضوعاته، فكان منها التاريخي والديني والأدبي، من ذلك ما نظمه خالد الجرنوسي لبعض قصص القرآن في ديوانه «اليواقيت»، وعبد الرحمن شكري في قصة «النعمان ويوم بؤسه»، وأحمد عبد المعطي حجازي في «مذبحة القلعة»، وعمر أبو ريشة في «كأس» عن ديك الجن الحمصي. ونظم بعض الشعراء القصص الوعظية التعليمية على لسان الحيوان، أو الحيوان والإنسان، وتستهدف هذه مغزى سياسياً أو خلقياً أو إنسانياً كما فعل شوقي في الجزء الرابع من ديوانه «الشوقيات». ونظم بعضهم قصصاً تناولت بعض القضايا الاجتماعية مثل «الريال المزيف» لكل من طانيوس عبده وبشارة الخوري (الأخطل الصغير). واتجه بعضهم إلى نظم موضوعات وطنية في قصص شعرية مثل خليل مطران في «فتاة الجبل الأسود» و«مقتل بزرجمهر». ومن هؤلاء خير الدين الزركلي في «العذراء» عن قصة دخول المستعمر الفرنسي إلى سورية واستشهاد يوسف العظمة. ومنهم صلاح عبد الصبور في «شنق زهران» عن حادثة دنشواي. إلى غير هذا من غزارة شعرية قصصية. وكانت لغة هؤلاء الشعراء مرنة طيعة في القصص إذ استطاعوا أن يوفقوا بين فني القصة والشعر. على أن ما نظم من القصص بالشعر الحر أكثر طواعية لتصوير المواقف والأحداث ورسم الشخصيات، لمايتمتع به من حرية في توزيع التفعيلات مما يمكن من تحقيق الوحدة العضوية المناسبة للقصة.

الشعر الملحمي
لم ينظم الشعراء العرب الشعر الملحمي poesie epique بالمعنى الدقيق المعروف عند الغربيين، ولاسيما عند اليونانيين مثل «الإلياذة» و«الأوديسة» لهوميروس أو «الإنيادة» لفرجيليوس بل نظموا ما هو أشبه بالملاحم. وهي مطولات توافرت فيها بعض شروط الملحمة كعنصر القص والتاريخ والأسطورة أحياناً من دون سائر الشروط الملحمية من تصوير الوقائع البطولية الخارقة في سيرة شخص أو تاريخ أمة. ومن هذه المطولات التي سميت ملاحم: ملحمة «عيد الغدير» للشاعر اللبناني بولس سلامة، و«الملحمة الإسلامية» لأحمد محرم. وقد سميت مطولة الشاعر المهجري الجنوبي فوزي معلوف [ر] «على بساط الريح» ملحمة، وما هي سوى رحلة خيالية إلى العالم العلوي، وكذا مطولة «عبقر» لأخيه شفيق معلوف التي هي رحلة خيالية إلى وادي عبقر بصحبة شيطانه دليلاً يطوف به في ذلك الوادي الذي هو رمز لمصدرية الإلهام الشعري في الذهن العربي القديم. وهذه المطولة يرمز فيها صاحبها إلى الحياة الدنيوية المملوءة بالشرور والآثام جاعلاً من الحب - في النهاية - علاجاً لها كلها.

لقد طور شعراء التفعيلة الشعر الحر مفهوماً جديداً لما سمي الشعر الملحمي. وهذا المفهوم يعني بدوره مطولات تصور أوضاعاً عامة يعيشها الشعب أو الأمة منظوراً إليها من الأفق الخاص للشاعر إذ تمتزج تجاربه الذاتية بالبيئة وأحداثها وبالأساطير وحكايات البطولات الفردية والعامة والأسطورية، مستخدمة كلها في إلماحات خاصة يستند فيها الشاعر على ذاكرته الثقافية والحكائية مع نقل ذك كله دليلاً من الخاص إلى العام فيتم الإفصاح عن حقائق مجتمعية وإنسانية وكونية في وقت واحد، وفي برهة من برهات علاقات الشاعر بأوضاع مجتمعه وعصره.

ولعل أول من كتب مثل هذا النوع من الشعر الملحمي وأكثر شعرائه شهرة هو بدر شاكر السياب من العراق في قصائد عدة منها «أنشودة المطر» و«المومس العمياء». أما خليل حاوي من لبنان فقد أبدع عدداً من قصائده الشهيرة المنتمية إلى هذا النمط مثل «قيامة إليعازر» و«رحلة السندباد الثامنة». ويعد أدونيس من أكثر شعراء الشعر الملحمي شهرة وهو الذي قدم الرؤية النظرية لهذا النمط في كتابه «زمن الشعر»، ومن قصائده «تحولات الصقر» و«إسماعيل» و«أحوال ثمود» وسواها الكثير. ولا يقل محمود درويش شهرة عن أدونيس في كتابة هذا النمط من القصيدة إذ تمتزج الغنائية لديه بما سبق ذكره من سمات سابقة. ومعظم مجموعاته التالية لمجموعة «أحبك أو لا أحبك» حافلة بهذا النوع من القصائد. ويعد الشاعر محمد عمران واحداً من أبرز من كتبوا هذا الشعر الملحمي في سورية، ومن أهم أعماله «مراثي بني هلال» وديوانه «كتاب الملاجة» وقصيدته «شاهين» التي تحكي قصة أحد الفلاحين المتمردين على الإقطاع وعلى الاستعمار الفرنسي معاً.

الشعر الغنائي أو الوجداني
يدخل ضمن الشعر الغنائي poésie lyrique معظم ما أثر عن الشعراء العرب القدامى والمعاصرين، لأن بواعثه تتصل بوجدان الشاعر، وهو المحرض الرئيس لعملية الإبداع الشعري. وإذا كانت حركة الإحياء وأعلامها في مختلف الأقطار العربية تنتمي إلى الاتباعية (الكلاسيكية)، فإن كثيرين من رواد الإحياء حاولوا التجديد بعد الاطلاع على الشعر الغربي فكانت هناك اتباعية جديدة تختلط بنفحات إبداعية (رومانسية)، حتى إن هذه النفحات لتتغلب على الجوانب الاتباعية.

وقد بدأ الشعراء تطوير الشعر الغنائي العربي وتجديده منذ محمود سامي البارودي - كما تقدم - لكن جهودهم في ذلك اتجهت إلى النواحي الفنية فكانوا يولون اهتماماً كبيراً للصياغة القديمة في معالجة الموضوعات الجديدة مثل القضايا القومية، والاجتماعية، والتأملية. ومن أبرز شعراء الإحياء وأكثرهم شهرة أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم الذي اشتهر بأشعاره الرثائية وبأنه «شاعرالشعب» لمنافسته أحمد شوقي على شهرته، ولارتباط شوقي بالقصر الملكي مقابل ارتباط حافظ بالشعب وقضاياه، وكلاهما من القطر المصري.

وفي ليبية اشتهر من شعراء الإحياء سليمان الباروني وإبراهيم الأسطة عمر. وفي تونس برز اسم محمود بيرم التونسي، كما برز في الجزائر اسم ابن باديس ومحمد العيد خليفة ومفدي زكريا وغيرهم. أما في المغرب فتبرز أسماء مصطفى المعداوي ومحمد الحبيب الفرقاني وغيرهما. وفي السودان برز اسم الشاعر التيجاني بشير. وقد تميزت قصائد هؤلاء الشعراء على اختلاف أقطارهم، بالتزامها الشكل القديم للقصيدة، وبكونها صرخات احتجاج على الاستعمار الإيطالي والفرنسي والإنكليزي، وصرخات احتجاج على واقع الحياة المعيشية للشعب وما يعانيه من ظلم وقسوة ومرارة في ظل سيطرة المستعمرين وأعوانهم في الداخل.

وفي العراق يبرز اسم الشاعر عبد الغفار الأخرس بصفته أهم الشعراء الإحيائيين هناك. أما في السعودية فيبرز اسم محمد بن عبد الله العثيمين، وفي الكويت اسم الشاعر فهد العسكر، وفي شمال اليمن أسماء: محمد محمود الزبيري، وإبراهيم الحضراني، وأحمد الشامي، ويناظرهم في الجنوب اليمني محمد سعيد جرادة.

ومن أهم شعراء البحرين الشاعر إبراهيم العريض الذي امتزج عنده الإحياء بتجديد يحتفي كثيراً بالنفحات الرومانسية.

ولعل أكثر المجددين شهرة في إطار القصيدة الكلاسيكية على امتداد الوطن العربي، خليل مطران، وبشارة الخوري (الأخطل الصغير) من لبنان وعمر أبو ريشة ومحمد سليمان الأحمد (بدوي الجبل) ونديم محمد من سورية، وعلي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل، وأسماء أخرى سترد لاحقاً، من مصر، وأبو القاسم الشابي من تونس، إضافة إلى كثير من الشعراء المهجريين, ويقع هذا التجديد في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى حتى ابتداء الخمسينات.

وكان التجديد عموماً يتم بمبادرة ذاتية، لكن بعض الشعراء أخذوا يتكاتفون ويؤلفون التجمعات الأدبية للإسهام في دفع حركة الشعر العربي وتطويره. ومن هذه التجمعات أربعة:

1- مدرسة الديوان التي قامت في مصر عام 1921 على أيدي عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني، وعبد الرحمن شكري. وهؤلاء تأثروا بالشعر الإنكليزي وخاصة بمجموعة «الكنز الذهبي» التي تضم بعض قصائد الشعر الغنائي منذ عصر شكسبير حتى نهاية القرن التاسع عشر. وقد انفصل شكري عن زميليه لخلاف نشب بينهم. وبقي الأولان اللذان أعربا في كتاب «الديوان» عن ضرورة تطوير الشعر العربي وتجديده. وامتاز مذهبهما - كما قالا - بأنه إنساني مصري عربي، وإنه ثمرة لقاح القرائح الإنسانية عامة. وقد فصل العقاد أسس هذا التجديد فأراد للشاعر أن يعبر بصدق عن مزاجه وشخصيته ونظرته إلى الحياة وتفسيره لها، وأن تكون القصيدة مترابطة عضوياً «كما يكمل التمثال بأعضائه، والصورة بأجزائها، واللحن الموسيقي بأنغامه، بحيث لو اختلف الوضع أو تغيرت النسبة أخل ذلك بوحدة الصنعة وأفسدها». وقال أيضاً: «القصيدة الشعرية كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته» وعلى الشاعر أن «يكتنه حقائق الحياة ويلتزمها في غير شطط ولا إحالة وأن يغوص على جوهرها» وأن «تؤلف الصورة البيانية لنقل الأثر النفسي للمشبه به من وجدان الشاعر إلى وجدان القارئ، لا أن تقف عند حدود الحواس الخارجية». وقد طبق العقاد هذه المبادئ علىشعر شوقي ونقده نقداً لاذعاً، واتهمه بالإحالة - وهي المبالغة لدرجة إفساد المعنى - ومخالفة الحقائق والولوع بالعرض دون الجوهر. واضطلع المازني بنقد حافظ إبراهيم ووسم شعره بأنه «سياسي أو صحفي» إذ هو شعر مناسبات يومية طارئة، وأنه بعيد عن الصدق.

وانطلاقاً من هذه الأسس حاول العقاد أن يجدد في ديوانيه «هدية الكروان» المطبوع عام 1933 و«لا عابر سبيل» المطبوع عام 1937. لكن تجديده عموماً كان في محاولته مراعاة الوحدة العضوية في القصيدة إلى جانب وحدة الموضوع، وإلى حد ما: التجديد في شكل القصيدة لا في اكتناه حقائق الحياة والغوص على جوهرها - كما أراد هو لشوقي - وإن كان مفهومه للوحدة العضوية يختلف عما سيكون لاحقاً عند أصحاب الشعر الحر.

والواقع أن هذه الحركة التجديدية لم تبلغ مدى واسعاً يصح معه أن تسمى مدرسة بالمعنى الصحيح المعروف للكلمة في المدارس الغربية، كما لم يكن لها أتباع يسيرون على هديها فهي لا تعدو أن تكون تجمعاً أدبياً محدوداً انفرط عقده بعد مدة وجيزة.

2- أما التجمع الثاني فهو «الرابطة القلمية»، ففي الوقت الذي ظهر فيه «الديوان» كانت فئة من المهجريين الشماليين تنادي بتجديد الشعر. وكان هذا في كتاب «الغربال» الذي ضمنه ميخائيل نعيمة مبادئ جمعية «الرابطة القلمية» المتأسسة في نيويورك عام 1920، ومقاييسها الأدبية، وغايتها التي هي الصدق في التعبير و«بث روح نشيطة في جسم الأدب العربي، والخروج بآدابنا من دور الجمود والتقليد إلى دور الابتكار في جميل الأساليب والمعاني».

وقد تأثر أعضاء هذه الرابطة كذلك بالأدب الإنكليزي والأمريكي وخاصة بما جاء به الشاعر والت ويتمان W.Whitman وخطا هؤلاء خطوة واسعة في تجديد موضوعات الشعر وشكله في آن واحد، واستعاروا بعض الأطر من الشعر الغربي، واستعملوا الموشحات والمخمسات والشعر المرسل vers blancs والشعر المنثور. ويبدو التجديد عند نعيمة في ديوانه «همس الجفون» وعند إيليا أبو ماضي في «الأعمال الكاملة» وعند نسيب عريضة في ديوانه «الأرواح الحائرة» وعند رشيد أيوب في ديوانيه «أغاني الدرويش» و«هي الدنيا» وعند جبران في «المواكب» وغيرهم. ومع ذلك فقد ظل تجديدهم في الأوزان - إلا ما ندر - ضمن حدود العروض والبحور الخليلية المعروفة، وإن كان من الجائز أن يعد نسيب عريضة واضع أول بذرة من بذور الشعر الحر في قصيدته «النهاية». أما تجديدهم في المضمون، فإنه قد كان لهم الفضل في نظم الشعر التأملي والشعر الإنساني، وأكثروا من نظم شعر الحنين إلى الوطن لشعورهم بالغربتين: الوطنية والنفسية. وفضلاً عن ذلك تساهلوا في اللغة الشعرية، واستعملوا بعض الألفاظ العامية أحياناً، وجددوا - وخاصة أبو ماضي - في الكلمة الشعرية، وجعلوها تتسع لمضامين الحياة الاجتماعية والفكرية، وللمشاكل النفسية، من دون أن تخرج من إطار البساطة والوضوح. ونادوا كذلك بوحدة القصيدة لكنهم عنوا بها تجنب الخلخلة في أبياتها، والتعدد في أغراضها. وكتب بعضهم الشعر المنثور وهو المتحرر من قيود الأبحر العروضية كما في بعض ما ورد عند جبران في كتابه «رمل وزبد»، وإن سبقه إلى ذلك أمين الريحاني الذي يعد من شعراء المهجر الشمالي - لكنه لم ينتم إلى الرابطة القلمية - وقد بدا تجديده في أطر استعارها من الشعر الغربي وبث شعره المنثور في كتابه «الريحانيات» ثم جمعه أخوه ألبرت مستقلاً في كتاب «هتاف الأودية».

3- وأما التجمع الثالث فهو «جمعية أبولو» التي أسست عام 1932 بجهود أمين سرها أحمد زكي أبي شادي، ورُئِّس عليها أستاذه خليل مطران،وكان من أبرز أعضائها أحمد محرم وحسن كامل الصيرفي وعلي محمود طه [ر] وإبراهيم ناجي [ر] وأبو القاسم الشابي وغيرهم.

وتتلخص أهدافها في السمو بالشعر العربي، ومناصرة نهضاته الفنية، ولكن من دون الالتزام باتجاه معين، فلكل عضو الحرية في التعبير عن الموضوع الذي يريد بالأسلوب الذي يرتضيه. وقد تأثر أعضاؤها - كمن سبقهم - بالشعر الغربي: الفرنسي والإنكليزي، ولاسيما الإبداعي منه، لكنهم كانوا كذلك همزة وصل بين الشعر العربي والمذاهب الغربية من واقعية وإبداعية ورمزية، إذ يرجع الفضل إليهم في اطلاع العرب عليها في مجلتهم «أبولو». وقد تجلى تجديدهم في الشكل والمضمون كما عند أبي شادي في دواوينه «أنداء الفجر» و«أطياف الربيع» و«الشفق الباكي» التي اشتمل بعضها على الشعر المرسل. وعند إبراهيم ناجي في ديوانيه «ليالي القاهرة» و«وراء الغمام»، وعند علي محمود طه في دواوينه «الملاح التائه» و«زهر وخمر» و«ليالي الملاح التائه» و«أرواح شاردة»، وكما عند أبي القاسم الشابي في ديوانه «أغاني الحياة»، وحسن كامل الصيرفي في ديوانه «صدى ونور ودموع».

وقد توخى معظم شعراء «أبولو» جعل الصلة محكمة بين أجزاء القصيدة لتحقيق وحدة الموضوع ووحدة الفكر ووحدة المشاعرفي آن واحد، ولعل رئيسهم مطران هو أول من نبه على هذه الوحدة في مقدمة ديوانه الذي طبع عام 1890.

4- وأما التجمع الرابع فهو «العصبة الأندلسية». والواقع هو أن هذا التجمع كان واحداً من عدة تجمعات أدبية في المهجر الجنوبي، وكان أشهرها وأهمها. ففي البرازيل أسس قيصر المعلوف «رواق المعري» وفي الأرجنتين تأسست «الرابطة الأدبية» عام 1949 وتولى أعمالها جورج صيدح. أما «العصبة الأندلسية» فقد أسسها أدباء عدة عام 1933 ورأسها ميشيل المعلوف.

وأهداف هذه الجمعيات كلها متفقة على ضرورة تجديد الشعر، ولكن أدومها وأنشطها «العصبة الأندلسية» وكان من أعضائها حبيب مسعود، ورشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) وأخوه قيصر، وشفيق المعلوف وإلياس فرحات ونصر وسمعان ورياض المعلوف. وكانت مجلتهم «العصبة» مسرحاً لنشاطهم الأدبي وأوجدوا الصلات القلمية بينهم وبين سائر أندية الأدب العربي، ولكنهم أجمعوا على ترسم أساليب الفصحى فلم يضحوا بها في سبيل التجديد - كما فعل أكثر أعضاء الرابطة القلمية - وقد وقفوا معظم شعرهم على القضايا القومية وخاصة قضية فلسطين كما في شعر القروي وفرحات وأبدعوا في الحنين إلى الوطن، إلى جانب الشعر الإنساني والتأملي، ودعا بعضهم دعوة شبه عقائدية إلى التمسك بحقوق الإنسان واحترامه بصرف النظر عن جنسه ولونه ووطنه، وكان تجديدهم في الأوزان والقوافي محدوداً. إن هذه التجمعات تعكس صورة لمستويات من التأثر بالشعر الغربي عموماً، والإبداعي منه خصوصاً، وفي مجريات تطور الشعر العربي بعد مرحلة الإحياء الأولى أو المرحلة الاتباعية، مثلما تبين بقاء هذا التأثر ضمن إطار الأشكال الفنية الشعرية المتوارثة إلا ما ندر. وبهذا المعنى سبق الحديث عن اتباعية جديدة، مطعمة بنفحات إبداعية بهذه الدرجة أو تلك اصطبغت بصبغتها حركة الشعر العربي منذ مستهل العشرينات حتى مستهل الخمسينات.

وإذا كان هذا التطور قد مهد للنقلة الواسعة التي حدثت في الشعر العربي في النصف الثاني من القرن العشرين أي لولادة الشعر الحر، فإن كثيرين من الشعراء العرب لا يزالون يكتبون القصيدة الاتباعية الجديدة، وبعضهم يكتب إلى جانبها قصيدة «الشعر الحر» أو «شعر التفعيلة». ومن أشهر هؤلاء الشعراء: عبد الله البردوني من اليمن، ونزار قباني وسليمان العيسى وحامد حسن من سورية، ونجيب جمال الدين وغسان مطر من لبنان، ويوسف الخطيب من فلسطين، ومصطفى جمال الدين من العراق، والشاعر المهجري اللبناني زكي قنصل، ومانع سعيد العتيبة من الإمارات العربية المتحدة وغيرهم كثيرون.

الشعر الحر أو شعر التفعيلة: من المؤكد أن أهم نقلة تطورية للقصيدة العربية في العصر الحديث قد حدثت مع ولادة قصيدة «الشعر الحر» أو «قصيدة التفعيلة» بحسب أكثر التسميات شيوعاً. وهاتان التسميتان يرتبط منطوقهما بالتجديد على مستوى الشكل، ولكن الواقع أن التجديد قد شمل المجموع البنائي للقصيدة العربية، شكلاً ومضموناً، ولغة، وأسلوب تصوير وترميز، ومحتوىً دلالياً، ووحدة بنيان فني إجمالي.

وهذا النمط من القصيدة العربية يعتمد صيغاً من الإيقاع إذ يختلف عدد التفعيلات بين بيت وآخر بحسب احتياج الدفقات الشعورية واللاشعورية، والانفعالية والوجدانية، وبحسب مقتضيات التعبير عن حال عاطفية داخلية أو بعض منها، وبالتالي لم يعد الشاعر ملتزماً قافية واحدة أو روياً واحداً يتكرر أو يتنوع بحسب نظام معين، بل عوض عن ذلك بالإيقاع الداخلي وبرنين القافية التي تراعى في بعض الأبيات. ومن جهة أخرى لم يعد الشاعر يقصر التصوير البياني على أشكاله القديمة التي تظهر فيها كل صورة مستقلة بذاتها ومعبرة عن فكرة محددة، بل تدرج في اعتماد نمط من التصوير المتداخل المتشابك التدفق الذي يقود إلى صوغ «مشهد حركي» - كما في التصوير السينمائي، على سبيل التقريب - يعبر عن «حال شعرية» تُستشف منها دلالات متنوعة لا أفكار ثابتة، وتترابط المشاهد المتوالية في بنيان شعري متكامل يشكل المجموع الكلي للقصيدة التي تعكس «تجربة» ذاتية للشاعر في تمثله الفكري والانفعالي والوجداني لبرهة من سياق الحياة في مكان وزمان معينين، ولكن في إطار من التضافر الدلالي بين الخاص والعام وبين الجزئي والكلي، وبين الذاتي والموضوعي، وبين الآني والمطلق.

وقد عرف هذا النمط من القصيدة، أول الأمر، باسم «الشعر الحر» ثم عرف باسم «شعر التفعيلة»، كما دعي باسم «الشعر الحديث» ولكن هذه التسمية تبدو فضفاضة ومطاطة.

ولقد اختلف الباحثون في تاريخ باكورة هذا الشعر وفي رواده، فأرجعه بعضهم إلى الموشحات التي حاول ابن خلدون أن يحصي أوزانها فلم يستطع لخروجها عن الحصر. وأرجعه بعضهم إلى العقد الثاني من القرن العشرين، وتحديداً إلى قصيدة «النهاية» لنسيب عريضة التي نظمت في الحرب العالمية الأولى متأثراً بما نجم عنها لشعبه من كوارث وضحايا. ولكن نازك الملائكة تذكر في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» أنها هي أول من نظم بهذا الشعر قصيدتها «الكوليرا» في 27/10/1947 ونشرتها لها مجلة «العروبة» اللبنانية في بيروت يوم 1/12/1947، وقد عبرت فيها عن حزنها لضحايا مصر حين اجتاحها وباء الكوليرا، كما تذكر أن قصيدتها أسبق من قصيدة بدر شاكر السياب «هل كان حباً» الذي يعده كثير من الباحثين الرائد الأول. وقد أثبتت في كتابها المذكور أنها سبقته إلى نشر قصيدتها بنحو شهر وعشرين يوماً مع أن قصيدة السياب أرخت في ديوانه في 29/11/1946.

والواقع أنه لا يمكن التثبت من الأسبق إلى نظم هذا الشعر على وجه الدقة والتحديد، فضلاً عن أن هذا لا يقدم شيئاً ولا يؤخر. ولكن من المحقق أن هؤلاء الشعراء جميعاً، ومن جاء بعدهم، تأثروا بالشعر الغربي الحديث على نحو مباشر أو غير مباشر، وقد صرح بهذا كل من نازك والسياب، وأعادا بعض قصائدهما إلى تأثرهما بقصائد معينة لشعراء إنكليز مثل شيلي Chelley (1792-1821) وكيتس Kaets (1795-1821) وإليوت Elliot (1888-1965) وسيتويل Sitwell (1887-1964)، وتأثر آخرون بشعراء أمريكيين وخاصة إزرابوند E.Pound، وآخرون بشعراء فرنسيين مثل جاك بريفير J.Prevert.

ويجمع هؤلاء الشعراء الإنكليز والأمريكيون والفرنسيون على أن مشكلات العصر الإنسانية الحديثة تتطلب أطراً جديدة، وأوزاناً جديدة للتعبير عنها، فضلاً عن السعي إلى وحدة القصيدة لا إلى وحدة البيت، وهذا ما نادى به رواد الشعر العربي الحر. والملاحظ أن أكثر الشعراء العرب الذين نظموا هذا الشعر الجديد ونجحوا فيه هم ممن تمرسوا بنظم الشعر الخليلي، ومن أبرزهم نزار قباني، وعلي أحمد سعيد (أدونيس)، ومحمد عمران، وفايز خضور وأسماء أخرى كثيرة في سورية، وخليل حاوي وغسان مطر وإلياس لحود وغيرهم في لبنان، ومحمود درويش ومعين بسيسو وسميح القاسم وغيرهم من فلسطين، وتيسير سبول من الأردن، وعبد الوهاب البياتي وآخرون إضافة إلى السياب ونازك الملائكة في العراق، صلاح عبد الصبور وأمل دنقل، أحمد عبد المعطي حجازي وغيرهم في مصر، ومحمد الفيتوري في السودان، وقاسم حداد في البحرين، وأسماء كثيرة أخرى في مختلف أقطار الوطن العربي.

وإذا كان كثير من هؤلاء الشعراء قد تأثروا بالشعر الغربي، أو تأثروا بمن تأثر به بصورة مباشرة، فإنهم جميعاً قد ألحوا على تحقيق الوحدة العضوية في القصيدة بدلاً من وحدة البيت سابقاً. وقد تجددت لديهم لغة الشعر تجدداً عميقاً واعتمد كثير منهم على تضمين قصائدهم بعض الرموز الأسطورية والدينية والفولكلورية مثل: السندباد وشهريار وأيوب وأليعازر ويهوذا وعشتروت وأوديب وسيزيف وتموز وغيرها ليستعينوا بدلالاتها الموروثة على التعبير عن مشاعرهم بعمق ورحابة. وأسرف بعضهم قليلاً أو كثيراً في التأثر ببعض المذاهب الغربية كالرمزية والسريالية فوقع في الغموض حيناً وفي الإبهام أحياناً، ولكن ذلك لا يشكل ظاهرة طاغية الأثر على حركة التجديد هذه في مجملها.

قصيدة النثر
يعتمد هذا النمط من الكتابة على التعويض عن الإيقاع الموسيقي للشعر بموسيقى الكلام الداخلية وهذا ما يجعل من نصوص هذا النمط قريبة مما كان ينادي به أصحاب الدعوة إلى «الشعر الصافي». وقد سبق ذكر ما كان لكل من جبران خليل جبران وأمين الريحاني من سبق في كتابه الشعر المنثور.

على أن «قصيدة النثر» - حسبما درجت التسمية - قد تزامنت تقريباً مع قصيدة الشعر الحر أو شعر التفعيلة. وقد كتبت نصوصها، بداية، تحت تأثير ترجمات قصائد الشعراء الغربيين، وكانت بيروت منطلق هذا النمط من الكتابة منذ الخمسينات ومن أشهر كتابها: محمد الماغوط من سورية وشوقي أبو شقرا وأنسي الحاج من لبنان ولا يزال هذا النمط يزاول بوفرة من قبل الكثيرين من الأجيال التالية لجيل الستينات في مختلف أقطار الوطن العربي.

خلاصة في أطوار الشعر العربي الحديث

سبقت الإشارة العرضية إلى هذه الأطوار في الفقرات السابقة، ويمكن العودة إلى ذلك هنا بقسط أكبر من التوضيح والتفصيل إذ تلاحظ الأطوار التالية:

1- طور الإحياء: وذلك برجوع الشعراء إلى تقليد ما كان عليه الشعر العربي في عصوره الذهبية المزدهرة، ولاسيما العصر العباسي، وتمثلهم لأساليبه وأخيلته، واقتفاؤهم آثاره في صياغة الصور البيانية والموسيقى الجزلة واللغة الفخمة.. وكان هذا يعني التخلي السريع عن المحسنات الشكلية في عصر الانحطاط. وهكذا كان شعراء الإحياء يعارضون القصائد المشهورة في الشعر القديم حيناً وينطلقون إلى التجديد في المعاني والمضامين أحياناً أخرى ولكن ضمن أطر الأوزان الشعرية القديمة. وقد سبق ذكر أبرز شعراء الإحياء الذين يوصفون عموماً بأنهم أصحاب «المدرسة التقليدية».

2- طور التأثر بشعر الحداثة الغربية: وضح مما تقدم أن الشعراء بعد الحرب العالمية الأولى أخذوا يتأثرون بالشعر الغربي - الفرنسي والإنكليزي، الرومانسي خاصة - إما مباشرة، وإما عن طريق من تأثر به أو ترجم عنه، وقد أسفر هذا التأثر، بصورة أساسية، عن اتجاه شعري جديد يمزج بين خصائص الكلاسيكية في الصياغة الشكلية وبين كثير من خصائص الإبداعية في المضمونات وأساليب التعبير ومفردات اللغة الشعرية والنبرة الانفعالية الوجدانية.. وبوجه عام يعرف هذا الاتجاه الجديد، تمييزاً له من سابقه، باسم «الاتباعية الجديدة» وأحياناً باسم «المرحلة الإبداعية»، مع الكثير من التجاوز في هذه التسمية بالطبع. وفي هذه المرحلة ظهرت بوادر تجديد تتضمن نظم الشعر المرسل والشعر المنثور كما فعل الريحاني وجبران وأحمد زكي أبو شادي.

3- طور تجاوز الشكل القديم ومرحلة الشعر الحر: فقد تحرر الشعراء من الأوزان الخليلية القديمة واعتمدوا التفعيلة الواحدة - وأحياناً الجملة الموسيقية الشعرية الواحدة التي تتضمن تفعيلتين - أساساً لمدى طول البيت الواحد، وتخلوا عن وحدة البيت لصالح وحدة «المقطع الشعري» إذ تؤلف الصور المتشابكة «مشهداً» حركياً يعكس حالاً انفعالية عاطفية أو جزءاً من حالة تتكامل في القصيدة كلها محققة وحدتها الموضوعية، فيترابط الشكل والمضمون ترابطاً صميمياً. وقد سلف تبيان معنى «الملحمية» في النماذج المميزة لقصيدة التفعيلة هذه.

4- قصيدة النثر: تمثل هذه «القصيدة» - إن صحت تسميتها كذلك - طوراً من أطوار الشعر العربي الحديث، ولكنها تمثل اتجاهاً محدوداً على هامش الطور السابق. وهذه القصيدة تتحرر من الوزن والموسيقى كلياً وتبقي على الموسيقى الداخلية للعبارات، وتكتفي بإنشاء «الحال الشعرية» في أحسن الأحوال، مما قد يوجد في كثير من أشكال التعبير النثرية، الأمر الذي يجعل كثيرين من النقاد لا يصنفون النصوص المكتوبة بهذه الطريقة مع الشعر.

نتيجة لما تقدم يمكن القول إن الشعر العربي الحديث تأثر ببعض المذاهب الشعرية الغربية في الأطوار الثلاثة الأخيرة السابق ذكرها، ولكن لا يصح القول - على القطع - بأنه ظهرت فيه مدارس أو مذاهب أدبية كتلك التي عرفتها الآداب الغربية، وما سبق إيراده من «تسميات مدارس» إنما جاء من باب التجاوز لغرض التقريب والإيضاح. فحقيقة الأمر هي أنه توجد اتجاهات في الأدب العربي الحديث، وما ينقصها كي تسمى «مدارس» هو الأساس الفلسفي الذي تفتقده، والذي يعبر عن تغير في طبيعة النمو المجتمعي العام نمواً موازناً أو مكافئاً لما عرفه الغرب وكان منطلقاً ودافعاً لولادة مدارس الأدب عنده.










 
قديم منذ /07-24-2011, 08:03 PM   #73

راكــــ*العتيـبـي*ـــــان
زائر

 رقم العضوية :
 المشاركات : n/a

افتراضي رد: موسوعة اللغة العربية(النحو والصرف-الأدب-البلاغة والنقد-العروض والقافية)

أدب مقارن


الأدب المقارن يُعدُّ مصطلح «الأدب المقارن» comparative literature مصطلحاً خلافياً لأنه ضعيف الدلالة على المقصود منه. وقد نقده كثير من الباحثين ولكنهم في النهاية آثروا الاستمرار في استعماله نظراً لشيوعه. فمثلاً عدّه پول فان تييغم Paul Van Tieghem مصطلحاً غير دقيق, واقترح مصطلحات أخرى أقرب دلالة إِلى موضوعه مثل: «تاريخ الأدب المقارن», و «التاريخ الأدبي المقارن», و «تاريخ المقارنة». واقترح ماريوس فرانسوا گويار M.F.Guyard مصطلحاً بديلاً هو «تاريخ العلاقات الأدبية الدولية». والملاحظ أن كلمة «تاريخ» هي المضافة في مختلف الاقتراحات البديلة, ذلك أن الأدب المقارن هو في الأصل تاريخ للعلاقات المتبادلة بين الآداب وللصلات والمشابهات المتجاوزة للحدود اللغوية والجغرافية, وفيما بعد أضيفت الحدود المعرفية.

وعلى أية حال يبدو أن افتقار المصطلح إِلى الدقة كان له بعض فضل في الإِبقاء على وحدة هذا النسق المعرفي وفي مقدرته على استيعاب مناطق معرفية جديدة, أخذت تدخل نطاقه بعد منتصف القرن العشرين.


تاريخ

وترجع نشأة الأدب المقارن إِلى العقد الثالث من القرن التاسع عشر, وربما إِلى سنة 1827 حين بدأ الفرنسي أبل ڤييمان Abel Villemain يلقي محاضرات في السوربون بباريس حول علاقات الأدب الفرنسي بالآداب الأوربية الأخرى. والجدير بالذكر أنه استعمل فيها مصطلح «الأدب المقارن» وإِليه يعود الفضل في وضع الأسس الأولى لمنطقه ومنطقته, في وقت بدأ يشهد تصاعد اهتمام العلوم الإِنسانية في أوربة بالبعد المقارني في المعرفة, إِذ نشأ «القانون المقارن» و«فقه اللغة المقارن» و«علم الاجتماع المقارن» وغيرها. وتعدُّ فرنسة المهد الأول للأدب المقارن, إِذ استمرت تطوراته بعد فييمان, وكان لذلك عوامل لغوية وسياسية واجتماعية وثقافية متداخلة أدّت إِلى أن يكون الفرنسيون أول من تنبّه إِلى قيمة التراث المشترك بينهم وبين المناطق الأوربية الأخرى, مما خلق الأساس الأول للتفكير المقارني.

وفي البدء كان التطور بطيئاً, فبعد فييمان ظهر جان جاك أمبير Ampére وألقى في مرسيلية سنة 1830 محاضرات في الأدب المقارن لفتت إِليه الأنظار وأتاحت له أن ينتقل بعد ذلك بسنتين إِلى باريس ليلقي محاضرات حول علاقات الأدب الفرنسي بالآداب الأجنبية. وفي سنة 1835 ظهرت مقالات فيلاريت شال Chales على صفحات مجلة باريس مؤكدة العلاقات المتينة بين الآداب الأوربية.

وعند نهاية القرن التاسع عشر أخذت تتلاحق التطورات وظهر جوسف تكست Texte في ليون (1896) وحاضر في الأدب الأوربي, وخلفه على منبر ليون فرنان بالدنسپرجيه F.Baldensperger الذي ألف كتابه «غوتة في فرنسة» سنة 1904, ثم سُمي أستاذاً في السوربون حينما أحدث فيها كرسي للأدب المقارن سنة 1910 وظهرت بعد ذلك مجلات وفهارس, وعرف الأدب المقارن طريقه إِلى التطور النسقي منذ مطلع القرن العشرين. وإِلى جانب فرنسة سجلت بعض البلدان الأوربية إِسهاماً نسبياً في نشأة الأدب المقارن, وكانت إِسهاماتها تتزايد مع تزايد نزعة «العالمية» في المعرفة ومع تزايد قوة الاتصالات والمواصلات في العالم. وقد ظهر أول كتاب في بريطانية عن الأدب في أوربة بين عامي 1837-1839, لهنري هالام H.Hallam, غير أن التطورات بعده كانت شديدة البطء. وفي ألمانية تأخر ظهور الأدب المقارن حتى ثمانينات القرن التاسع عشر, واشتُهر من مؤسيسه ك. مورهوف K.D.Morhof وشميدت Schmidt ، كاريير M.Carriére, ولم يدخل الأدب المقارن نطاق الدراسة المنظمة إِلا بعد سنة 1887 بفضل ماكس كوخ Max Koch الذي أصدر مجلة «الأدب المقارن». ولكن دخول الأدب المقارن إِلى مناهج الجامعة لقي معارضة شديدة وتأخر حتى مطلع القرن العشرين.

وتعرقل ظهور الأدب المقارن في إِيطالية بسبب حدة النزعة القومية. وفي عام 1861 أمكن إِنشاء كرسي له في جامعة نابولي. ولكن ب. كروتشه B.Croce تصدى للأدب المقارن وشنّ على أنصاره حملة قوية وحاول تسفيه منطقه, وبذلك كان له أثر في تاريخ تطور الدراسة المقارنة في إِيطالية بسبب ما كان يتمتع به من نفوذ فكري.

وإِذا كانت نهاية القرن التاسع عشر قد شهدت تطور الأبحاث التطبيقية في الأدب المقارن وبدء الاعتراف به في الجامعات فإِن بداءة القرن العشرين شهدت تأسيس الوعي النظري لمنهج الأدب المقارن. وقد تابعت فرنسة تطورها السباق فنشأت فيها كراسٍ جديدة للأدب المقارن في الجامعات. ومنذ سنة 1911 أخذ فان تيغم ينشر مقالات نظرية في المنهج المقارني. وفي عقد واحد تبلورت نظرته إِلى الأدب المقارن في مقالاته في مجلة «الأدب المقارن» ورصيفتها مجلة «مكتبة الأدب المقارن».

وفي عام 1931 أصدر فان تييغم أول كتاب نظري عرفه العالم بعنوان «الأدب المقارن», وظل هذا الكتاب مرجعاً أساسياً في بابه حتى اليوم, وترجم إِلى عدد كبير من اللغات, ومنها اللغة العربية في منتصف القرن العشرين. وتتابعت بعد ذلك المؤلفات الفرنسية في الأدب المقارن نظرية وتطبيقاً, ومن أشهرها كتاب غويار «الأدب المقارن» عام 1951 وترجم كذلك إِلى العربية عام 1956. وبدءاً من هذا التاريخ أخذت تظهر في فرنسة تحديات لما يمكن تسميته بالنظرية الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن, وكان أبرزها الهجوم الحاد الذي شنّه رنيه إِتيامبل R.Etiemble على ڤان تييغم وگويار, وظهر بعد ذلك في كتابه «الأزمة في الأدب المقارن».

وقد تعثر الأدب المقارن في الدول الأوربية الأخرى ولم يصب تطوراً في بريطانية ربما حتى تسعينات القرن العشرين وكذلك كان شأن ألمانية وإِيطالية والاتحاد السوفييتي. وإِن كان ملاحظاً أنه ابتداء من الستينات انتعش الأدب المقارن في القارة الأوربية والعالم كله, وذلك مع ازدياد نشاط الرابطة الدولية للأدب المقارن AILC. وزاد من قوة هذا التطور النشاط الأمريكي المتسارع في مجال البحث المقارني وفي المؤتمرات الدولية, والحق أنه في سنوات معدودات حقق المقارنون الأمريكيون حضوراً مرموقاً في مختلف أوجه البحث المقارني مع أن الولايات المتحدة دخلت متأخرة نسبياً في حقل الأدب المقارن. ومن أجل استكمال الخريطة العامة لنشأة الأدب المقارن تحسن الإِشارة إِلى التواريخ الرئيسية التالية:

1889 تولى تشارلز جيلي C.M.Geyley تقديم مادة النقد الأدبي المقارن في جامعة مشيگن, ثم انتقل إِلى جامعة كاليفورنيا وأنشأ عام 1902 قسماً للأدب المقارن. 1890-1891 أنشأت جامعة هارڤرد أول كرسي للأدب المقارن في أمريكة, تحول عام 1904 إِلى قسم كامل. وفي سنة 1946 تولى رئاسته هاري لڤين Harry Levin وأعاد النظر في برامجه, وخلفه ولتر كايزر W.Kaiser.

1902 جرى إِحياء كرسي قديم للأدب العام يعود إِلى سنة 1886 في جامعة كورنل على يد كوبر الذي أصبح فيما بعد رئيساً لقسم كامل للأدب المقارن فيها من 1927-1943.

على أن دراسة الأدب المقارن في أمريكة ظلت حتى العشرينات مختلطة بـ «الأدب العام» و«أدب العالم» و«الروائع» و«الإِنسانيات». وفي الأربعينات بدأ يظهر تميزه في الجامعات وصاحب ذلك ظهور مجلات للأدب المقارن في عدة جامعات مثل أوريغون Oregon عام 1949. ومن أهم التطورات في هذا المجال صدور المجلد الأول من «الكتاب السنوي للأدب العام والمقارن Yearbook of General and Comparative Literature» وذلك عن جامعة (نورث كارولينة) عام 1952.

وفي عام 1961 انتقلت إِدارة الكتاب إِلى جامعة إِنديانة Indiana, وما زال يصدر عنها حتى اليوم.

ومنذ الخمسينات بدأت تتوالى الكتب الجامعية في الأدب المقارن, وتسود فيها طريقة التأليف الجماعي أو الدراسات المجموعة, وتتنوع مادة هذه الكتب بين النظرية والتطبيق كما تتنوع وجهات النظر. ومن أبرز التطورات في تاريخ الأدب المقارن تأسيس الرابطة الدولية للأدب المقارن عام 1955. وتعقد هذه الرابطة مؤتمراتها العامة كل ثلاث سنوات ولها نشاطات متنوعة, وقد عقد مؤتمرها الأول في البندقية بإِيطالية. ومنذ ذلك الحين انحصرت مؤتمراتها واجتماعاتها في العواصم الغربية, حتى عام 1991 عندما عقد مؤتمرها الثالث عشر في طوكيو, وفي ذلك إِيذان بتزايد إِسهام اليابان في الأدب المقارن, وبخروج الرابطة جغرافياً من بوتقة الغرب. على أن الأدب المقارن بقي حتى اليوم علماً غربياً, وبقي إِسهام المنظومة الاشتراكية فيه محدوداً, وأقل منه إِسهام البلدان النامية.

ومنذ البدء اختلط مفهوم «الأدب المقارن» بمفهومي «الأدب العام» و«الأدب العالمي». والملاحظ أنه حتى نهاية الثمانينات وبعد كل ذلك التطور المهم الذي حققه الأدب المقارن, ما زالت هذه المفهومات مختلطة حتى في بعض الجامعات العريقة. ومن هنا كان الربط الدائم بين الأدب المقارن والأدب العام في تسميات الأقسام الجامعية في دول أوربية كثيرة. كذلك يلاحظ أن الكتاب السنوي الأمريكي ما زال يحمل تسمية الأدب العام إِلى جانب الأدب المقارن. وقد آن أوان التفريق بين هذه الحقول المعرفية الثلاثة.

فالأدب العالمي world literature مصطلح من وضع غوته[ر], وكان ينطوي على حلم بزمان تصير فيه كل الآداب أدباً واحداً. ولكنه تحول بالتدريج إِلى الدلالة على تلك السلسلة الذهبية من الأعمال الأدبية التي قدمتها قرائح من مختلف شعوب العالم, وترجمت إِلى اللغات المختلفة, واكتسبت صفة الخلود, وارتفعت إِلى مصاف الروائع classics المعترف بقيمتها الفنية والفكرية في كل أنحاء العالم, وبالطبع تنضوي هذه الروائع تحت تخصصات الأدب المقارن. والملاحظ أن سلسلة الروائع العالمية ظلت حتى ستينات القرن العشرين تحت تأثير المركزية الأوربية Euro- centralism, ولكنها أخذت تتسع بالتدريج لبعض الأعمال خارج نطاق الغرب, ربما بتأثير نمو التبادل الثقافي والتوسع في مفهوم الجوائز الأدبية العالمية.

أما الأدب العام general literature فمصطلح استعمل غالباً لوسم تلك الكتابات التي يصعب أن تُصنَّف تحت أي من الدراسات الأدبية والتي تبدو ذات أهمية متجاوزة لنطاق الأدب القومي. وهي أحياناً تشير إِلى الاتجاهات الأدبية أو المشكلات أو النظريات العامة في الأدب, أو الجماليات. كما صُنِّفت تحت هذا العنوان مجموعات النصوص والدراسات النقدية والتعليقات التي تتناول مجموعة من الآداب ولا تقتصر على أدب واحد. وهكذا يتطابق الأدب العام أحياناً مع مبادئ النقد ونظرية الأدب, أي مع كل دراسة أدبية تركز على التنظير ولا تقتصر أمثلتها على أدب واحد. ويقل استعمال مصطلح «الأدب العام» اليوم ويكاد ينحصر في الدلالة على أنواع متفرقة من الدراسات الأدبية التي يصعب أن تُصنف في نطاق الأدب القومي أو العالمي أو المقارن.

ولم تزل الخلافات بشأن منطق الأدب المقارن ومنطقته قائمة حتى اليوم وإِن كانت تضيق تدريجياً لتفسح في المجال لمفهوم مشترك سيجري تحديد عناصره هنا بعد استعراض تاريخيّة اتجاهات الأدب المقارن.

إِن المفهوم الأصلي للأدب المقارن هو مفهوم ما يسمّى جوازاً «المدرسة الفرنسية التقليدية», إِذ حدد مؤسسها الفعلي بول فان تييغم الأدب المقارن «بأنه دراسة آثار الآداب المختلفة من ناحية علاقاتها بعضها ببعض» كما أكد جان ماري كاريه أن الأدب المقارن يعتمد على مفهوم التأثر والتأثير من خلال الصلات بين الآداب أو الأدباء من بلدان مختلفة, واستبعد المقارنات غير القائمة على الصلات من منهجية الأدب المقارن. كما رفض كل من كاريه وغويار فكرة التطابق بين الأدب العام والأدب المقارن. وعدّ غويار الأدب العام والأدب العالمي « مطمعين غَيْبييّن» وآثر أن يسمي الأدب المقارن, تاريخ العلاقات الأدبية الدولية. وقد تمسكت هذه المدرسة بالمنهجية التاريخية الصارمة, وحاولت تمييز منهجية الأدب المقارن ومنطقه ومنطقته من سائر الدراسات الأدبية واقتربت من العلمية والحياد, وتناولت أحياناً بمهارة, وأحياناً بآلية جامدة, مسائل مثل الشهرة الأدبية والنفوذ مثل غوتة في فرنسة, وطوّرت منهجاً يذهب إِلى أبعد من جمع المعلومات التي تتعلق بالمراجعات والترجمات والتأثيرات ليتفحص الصورة الفنية ومفهوم كاتب معيّن في وقت معيّن إِلى جانب عوامل النقل المتعددة كالحوليات والمترجمين والصالونات والمسافرين, وكذلك وجّهت انتباهها إِلى عوامل التلقي والجو الخاص والوضع الأدبي الذي أدخل فيه الكاتب الأجنبي, وبالإِجمال :«فقد تم جمع كثير من الشواهد عن الوحدة الصميمة بين الآداب الأوربية خاصة, كما ازدادت معرفتنا بالتجارة الخارجية للأدب».

غير أن هذه المدرسة ما كادت تستوي على قدميها وتحقق وجوداً أكاديمياً معترفاً به حتى انبثقت من أحشائها أصوات معترضة تنكرها أشد إِنكار, وقام رنيه إِيتيامبل في الخمسينات, على رأس مجموعة من الكتاب اليساريين, بمهاجمة هذه المدرسة على أساس أنها تمثل المركزية الأوربية الاستعمارية وأنها قدمت آداب العالم جميعاً كما لو كانت منبثقة من بحر الآداب الأوربية أو منصبةً فيه, ولم تُعط آداب آسيا وإِفريقية وأمريكة اللاتينية حقها من البحث والاستقصاء. وقد هاجم إِيتيامبل زميله غويار واتهمه بالتعصب الإِقليمي والقومي وتركيز كل أضواء التأثير على الأدب الفرنسي, وطالب المقارنين أن ينحّوا جانباً «كل شكل من أشكال الشوفينية والإِقليمية وأن يعترفوا أخيراً أن حضارة الإِنسانية التي جرى في سياقها تبادل القيم على مدى آلاف السنين لا يمكن أن تُفهم أو تتذوق من دون إِشارات متواصلة إِلى هذه التبادلات التي تقتضي تركيبتها منا ألاّ نركّز نظام بحثنا حول لغة واحدة معينة أو بلد واحد معيّن».

وابتداء من الستينات بدأت الأفكار الأمريكية ذات الطابع العملي والانفتاحي تسيطر على ساحة الأدب المقارن. وقدم رينيه ويلك نظرات تركيبية شمولية وفي الوقت نفسه انبرى هنري رماك H.Remak بتقديم اتجاه جاد للخروج من المعضلة, وذلك في مقالة منقحة ومزيدة ومفصلة عام 1971, وفيها راجع مفهومات الأدب المقارن واتجاهاته بنفسٍ علمي جريء ومسؤول وانتهى إِلى توسيع منطقه ومنطقته على النحو التالي:

تعريف

«الأدب المقارن هو دراسة الأدب خلف حدود بلد معيّن, ودراسة العلاقات بين الأدب ومجالات أخرى من المعرفة والاعتقاد مثل الفنون كالرسم والنحت والعمارة والموسيقى, والفلسفة, والتاريخ, والعلوم الاجتماعية كالسياسة والاقتصاد والاجتماع, والعلوم, والديانة, وغير ذلك. وباختصار هو مقارنة الأدب بمناطق أخرى من التعبير الإِنساني».

ويلاحظ على هذه التعريف: أنه ينطلق من فكرة التأثر والتأثير ليتجاوزها إِلى المشابهة أي أنه يركز على العلاقات ولا يجعلها شرطاً لازماً, وأنه يضيف بعداً جديداً إِلى منطقة الأدب المقارن بدفعه إِلى دراسة العلاقات بين الأدب وحقول المعرفة الأخرى ولاسيما الفنون. وبذلك يسجل نقطة إِضافية شديدة الأهمية. وقد بدا رماك متساهلاً في موضوع صلة الأدب المقارن بالتذوق الأدبي, ولكنه بالنتيجة احتفظ بجوهر منطق الأدب المقارن وهو دراسة الأدب خارج حدوده الجغرافية واللغوية والمعرفية. وتبدو نظرية رماك أكثر قبولاً اليوم في العالم.

ومن الملاحظ أن بلدان أوربة الشرقية لم توجه عناية خاصة للأدب المقارن, وكانت منطلقاتها بوجه عام مستوحاة من ثورة إِيتيامبل. وتُعدُّ هنغارية ويوغسلافية أكثرها احتفاءً بالأدب المقارن.

والملاحظ أنه جرى دائماً تساؤل حول وظيفة الأدب المقارن وامتحان لها. ومثل هذا التساؤل لا يتم عادة إِلا على الحقول المعرفية المستجدة, ذلك أن العلوم لا تقدم نفسها تقديماً نفعياً مباشراً. ومع ذلك يمكن القول إِن الأدب المقارن:

يقدم فهماً للأدب أفضل وأكثر شمولاً وأقدر على تجاوز جزئية أدبية منفصلة أو عدة جزئيات معزولة.
ويميز ما هو محلي وما هو إِنساني مشترك.
ويحدد الصلات والمشابهات بين الآداب المختلفة وبين الأدب وحقول المعرفة الأخرى.
ويسهم في تخليص الأقوام من النزعة الشوفينية والنرجسية المسيطرة في مجال الآداب القومية المختلفة.
ويقدم للنقد الأدبي ودارسي الأدب فرصة ممتازة لتوسيع آفاق معرفتهم وتوثيق أحكامهم حتى الجمالية منها, لأن المقارنة تبقى أقوى أسلحة الناقد إِقناعاً.
ويقدم فرصة ممتازة لتطور نظرية أدبية قائمة على فهم طبيعة امتدادات الأدب خارج حدوده.
وقد جرت الإِشارة في ثنايا البحث إِلى أعلام الأدب المقارن البارزين وإِلى أبرز المؤسسات والمنظمات والمجلات التي تُعنى به وتضع نفسها في خدمة مجالاته.

وإِذا انتقل الدارس إِلى الأدب العربي وجد أن الأدب المقارن حقل معرفي فتي لا تكاد تبين له أصول في التراث الأدبي القديم, ذلك أنه كان لدى العرب في الماضي اعتداد خاص باللغة والشعر وإِشاحة نسبية عن آداب الأمم الأخرى, مما أدّى إِلى أن يكون نشاطهم في حقل التبادل الأدبي أقل من نشاطهم في الحقول المعرفية الأخرى كالعلوم والفلسفة على أن غير العرب تأثروا تأثراً واضحاً بالأدب العربي فدرسوه وألّفوا على غراره. وفي عصرنا الحاضر ما زال هذا التيار من الاعتداد بالأدب واللغة فاعلاً بحيث يخلق رأياً عاماً لا يستريح إِلى المقارنات مع الآداب الأخرى ويجهد في تأكيد الأصول العربية للفنون الأدبية الوافدة كالقصة والمسرح. ومن الملاحظ أن معظم الأدباء البارزين في عصر النهضة كانوا أكثر انفتاحاً في مجال التفاعلات الأدبية, ووضعوا أساساً لنهضة الأدب المقارن في عصرنا. وكان لرواد النهضة الأدبية في الشام أثر كبير في الاستنارة الأدبية, وهكذا لمعت, إِلى جانب بناة النهضة من أبناء الكنانة مثل رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك والشيخ حسن المرصفي, أسماء شامية مبكرة في مجال المقارنة مثل أديب إِسحاق وأحمد فارس الشدياق ونجيب الحداد, وتميز من بينهم علمان بارزان, هما سليمان البستاني وروحي الخالدي, وضعا حجر الأساس للبحث التطبيقي في الأدب المقارن على الرغم من أنهما لم يشيرا إِلى المصطلح بكلمة واحدة.

وتتلخص جهود البستاني في هذا الحقل بتعريب «الإِلياذة» الذي استغرق منه ثماني سنوات (1887-1895) وبمقدمتها المقارنية التي استغرقت منه ثماني سنوات أخرى, وقد أنجز شروح الإِلياذة ومقدماتها في 200 صفحة أواخر سنة 1903. وأجرى البستاني مقارنات جريئة بين الملحمة اليونانية والشعر القصصي العربي وأكد وجود ملاحم عربية قصيرة تختلف عن الملاحم الإِفرنجية الطويلة, وانطلق من هذه المقارنة للتوصل إِلى أحكام شاملة تتعلق بالشعر الجاهلي والشعر اليوناني القديم, وحكم لصالح الشعر الجاهلي, وأشار بعد ذلك إِلى التشابه بين عبقرية ابن الرومي وعبقرية هوميروس. وكذلك كتب البستاني مقالاً حوى شيئاً من تاريخ الشعر عند العرب والإِفرنج. وهكذا يكون البستاني صاحب سبق لا ينكر في مجال الدراسة المقارنة, وإِن كانت مقارناته تدل على أن ثقافته الأصلية كانت عربية تقليدية وأن ما قرأه من أفكار أدبية غربية ليس أكثر من نوافذ صغيرة للمقارنة.

وعند منعطف القرن التاسع عشر, على أية حال, ساد مناخ عام للمقارنة, أسهم فيه الشاعر أحمد شوقي[ر], وكتاب مثل خليل ثابت وأسعد داغر ونقولا فياض ويعقوب صروف, وحملت مجلة «المقتطف» آنذاك رسالة الوعي المتفتح.

وإِذا ترك الدارس الأشخاص وانتقل إِلى الأعمال المفردة فإِنه يجد أن الكتاب العربي الأول المكرس للأدب المقارن التطبيقي هو كتاب «تاريخ علم الأدب عند الإِفرنج والعرب وفكتور هوغو» للكاتب المقدسي روحي بن ياسين الخالدي. وقد نُشر الكتاب مقالات متسلسلة في مجلة «الهلال» بين سنتي 1902ـ1903,ثم طبعته دار الهلال سنة 1904 وطبع ثانية سنة 1912, وأعيد طبعه سنة 1985.

وهذا الكتاب مؤلف نوعي في الأدب المقارن التطبيقي لا تنقصه سوى التسمية المقارنية, وتتصدره على الغلاف الفقرة المقارنية التالية:

«وهو يشتمل على مقدمات تاريخية واجتماعية في علم الأدب عند الإِفرنج وما يقابله من ذلك عند العرب إِبان تمدنهم إِلى عصورهم الوسطى, وما اقتبسه الإِفرنج عنهم من الأدب والشعر في نهضتهم الأخيرة وخصوصاً على يد ڤكتور هوگو. ويلحق بذلك ترجمة هذا الشاعر الفيلسوف ووصف مناقبه ومواهبه ومؤلفاته ومنظوماته وغير ذلك».

وكتب الخالدي مقدمة للكتاب بالفرنسية تنبئ عن حسه المقارني. وأورد في كتابه مقارنات ومقابلات ودراسات للتبادلات الأدبية بين العرب والفرنجة, وترجمات وتعليقات, تدل كلها على أنه كان شديد الالتصاق بالمنهج المقارني.

وتوالى بعد الخالدي الاهتمام بالدراسات التطبيقية ذات الطابع المقارني, ومن أقدمها سلسلة مقالات نشرها فخري أبو السعود على صفحات «الرسالة» في الأعوام 1935-1937 وقابل فيها بين الأدب العربي والأدب الإِنكليزي من دون اعتناء بناحية التأثر والتبادل. وفي عام 1935 كذلك ظهر الجزء الثالث من كتاب الأديب الحلبي قسطاكي الحمصي المعنون «منهل الورّاد في علم الانتقاد» وتضمن بحثاً مطولاً عن «الموازنة بين الكوميدية الإِلهية ورسالة الغفران», وفي الثلاثينات أيضاً نشر عبد الوهاب عزام دراسات في مجلة «الرسالة» حول العلاقات بين الأدب العربي والأدب الفارسي. وفي الأربعينات ظهر كتاب لإِلياس أبو شبكة بعنوان «روابط الفكر بين العرب والفرنجة» ظهرت الطبعة الثانية من الكتاب عن دار المكشوف في بيروت عام 1945, وهو ذو موضوع مقارني واضح. وبالتدريج انتعش هذا النوع من الدراسات واغتنى وتعددت وجهاته.

ومن الملاحظ أن اسم فخري أبو السعود ورد آنفاً في باب الدراسات التطبيقية خلافاً لما درجت عليه المصادر العربية حتى الآن من نسبة الريادة النظرية إِليه. ويبدو أن فخري أبو السعود لم يستخدم مصطلح الأدب المقارن ولم يكشف عن معرفة به, على الرغم من سبقه في مجال الدراسة التقابلية أي غير القائمة على التأثر والتأثير, وأن مصطلح الأدب المقارن ظهر في «الرسالة» أول ما ظهر على يد الكاتب الشامي خليل هنداوي في سلسلة مقالات تلقي ضوءاً جديداً على ناحية من الأدب العربي هو, اشتغال العرب بالأدب المقارن أو ما يسميه الفرنجة Littérature Comparée, في كتاب «تلخيص كتاب أرسطو في الشعر» لفيلسوف العرب الأول ابن رشد. وقد ظهر هذا العنوان في «الرسالة» (الأعداد من 154-156 من المجلة) بتاريخ 8/6/1936, وتكرر في أعداد ثلاثة تالية. وحملت المقالة الأولى مقدمة نظرية عن الأدب المقارن ومنهجه ومزاياه تُعد الأولى من نوعها في الأدب العربي.

والجدير بالذكر أن مقرر الأدب المقارن ظهر أولاً في أدبيات دار العلوم بالقاهرة سنة 1938, ولكن المصطلح اختفى بعد ذلك ليظهر في أواخر الأربعينات في سلسلة من الكتب الجامعية تعاقبت بمعدل كتاب كل سنتين تقريباً, وصدر أولها سنة 1948 في القاهرة بعنوان «من الأدب المقارن» لنجيب العقيقي, تضمّن شذرات من الأدب العام والنقد النظري غير ذات صلة مباشرة بالعنوان. وفي عام 1949 ظهر كتاب عبد الرزاق حميدة «في الأدب المقارن» كما ظهر عام 1951 كتاب مقارني لإِبراهيم سلامة. وكان أهم تطور تأليفي في الموضوع ظهور كتاب الدكتور محمد غنيمي هلال بعنوان «الأدب المقارن» في القاهرة عام 1953. ويُعد هلال بحق مؤسس الأدب العربي المقارن, وكان كتابه أول محاولة عربية ذات وزن أكاديمي في منهجية الأدب المقارن, وبدا شديد التمسك بمبادئ المدرسة الفرنسية التقليدية. وفيما بعد طبع الكتاب عدة طبعات وخرّج جيلاًَ كاملاً من المهتمين بالأدب المقارن.

وبعد الخمسينات تطور تدريس الأدب المقارن في الجامعات العربية بخطوات غير حثيثة. وألفت كتب جامعية متفرقة اعتمدت كثيراً على كتاب غنيمي هلال. ولكن بدأت تبرز في الثمانينات اتجاهات جديدة على يد الجيل التالي, مؤذنة بحلول مرحلة نهوض جديدة أكثر وعياً للتطورات العالمية الحية.

ومن أهم تطورات الأدب المقارن العربي قيام «الرابطة العربية للأدب المقارن» التي عقدت الملتقى التحضيري في جامعة عنابة بالجزائر عام 1983, والملتقى الأول في عنابة أيضاً عام 1984, ثم المؤتمر الثاني في جامعة دمشق 1986, والثالث في مراكش 1989. ويشير وضع الثقافة العربية المعاصرة إِلى أن الأدب المقارن يبشر بمستقبل ذي شأن في رحاب الجامعات العربية وخارجها.











التعديل الأخير تم بواسطة : راكــــ*العتيـبـي*ـــــان بتاريخ 09-22-2011 الساعة 08:50 AM
 
قديم منذ /07-24-2011, 08:07 PM   #74

راكــــ*العتيـبـي*ـــــان
زائر

 رقم العضوية :
 المشاركات : n/a

افتراضي رد: موسوعة اللغة العربية(النحو والصرف-الأدب-البلاغة والنقد-العروض والقافية)

التالي هو

البلاغــــة والنقــــــد










 
موضوع مغلق

العبارات الدلالية
واصل ياراكان<<نسنوس

أدوات الموضوع
خيارات عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصيدة في مدح اللغة العربية أحمد الوهيّب ۩ الشـــعر الفصيــح ۩ 6 04-22-2011 02:18 PM
غرائب اللغة العربية ؟ آحتآجلڪ دۈم سواليف الأعضاء 13 10-27-2010 01:37 AM
لا تذكرين العز والسيف والشرف صقار الجزيره شعراء المختلف 2 08-02-2008 05:31 PM


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:45 AM.


Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
الآراء والكتابات لا تعبر عن رأي إدارة الموقع إنما تعبر عن وجهة نظر كاتبها

تصميم وتركيب : T R A T E A L